كان وما زال المال وسيلةً أساسيةً للعيش، وفي زمن السيدة خديجة لم يكن مجرد وسيلةٍ للعيش، بل كان أداةً لفرض النفوذ والسيطرة في المجتمع، وكما نعلم، كان لمالها دورٌ آخر في تاريخ الإسلام، بعد أن قابلت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعرفته، آمنت به وصدّقته فورًا حين نزل عليه الوحي.

عندما بدأ النبيّ في نشر الدعوة، كانت السيدة خديجة أولَ من دعمه بكل ما تملك من مال. وبسبب إيمانها العميق برسالة زوجها وحبها للإسلام، أنفقت معظم أموالها في سبيل نشر الدعوة الإسلامية، على الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهتها بسبب معارضة قريش الشديدة.

وهنا يأتي السؤال:

مَن أنتَ للإسلام؟

ماذا قدّمتَ لدين الله؟

هل فتّشتَ في نفسك وتساءلت: كم تبلغ مساحة الإسلام على خارطة اهتمامك؟

إنه سؤال يجب ألا نملّ طرحه، وألا نسأم تكراره؛ لنحيي في القلوب قضية العمل لهذا الدين، هذا الدين الذي تعب من أجله آدم، وناح لأجله نوح، وألقي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وتحمل لوعة الفراق يعقوب، وبيع يوسف بثمنٍ بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضُرّ أيوب، وزاد على المقدار بكاء داوود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد، وضُربت هامةُ علي، وكُسر ضلع ابنة الرسول، وتقطّع كبد الحسن، وقدّم ما لم يقدّمه قبلهُ ولا بعده الحسين، وغيرهم من الأنبياء والأولياء الذين ضحّوا من أجل هذا الدين العظيم.

قال الله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ)

وقال تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

في هذه الأيام، الرسالة التي يمكن أن نقدمها للإسلام ليست مقتصرةً فقط على المال. هناك العديد من الطرق التي يمكننا من خلالها خدمة الدين، كالتعليم والدعوة، فعلى كل واحدٍ منا أن يساهم في نشر المعرفة الدينية من خلال التعليم، سواء كان ذلك على مستوى المدارس أو في الجلسات الخاصة.

كما أن الدعوة إلى الله يمكن أن تتم من خلال أفعالنا أو مواقفنا مع الآخرين، ورغم سرعة الوقت، فإن التضحية به واجبة، إذ يمكننا أن نقدّمه للعمل في خدمة الإسلام، سواء كان ذلك من خلال تنظيم الأنشطة الخيرية، أو تخصيص ساعة يوميًا لتقديم شيء نافع يخدم الدين، ومن أهم الخدمات التي لا بد من التركيز عليها هي التربية الإسلامية، إذ يمكننا أن نربي أبناءنا على حب الإسلام وتعاليمه الصحيحة، مما يسهم في بناء أجيالٍ قادرة على الدفاع عن الإسلام والعمل في سبيله.

خلاصة القول: يجب أن نستفيد من دروس السيدة خديجة في كيفية التضحية والبذل في سبيل الإسلام بحب، وأن نعي أن المال ليس الوسيلة الوحيدة لخدمة الدين، بل يمكن لكل شخصٍ منا أن يقدّم شيئًا، مهما كان صغيرًا، ليكون جزءًا من الدعوة الإسلامية وحمايتها.

والنفس ثم النفس، عليك بترويضها، فلا رسالةَ تصل من دون تطبيقها على الذات. فلتكن في الطريق صبورًا، فالدنيا دار عبور، وعليك أن تجهّز أمتعتك بهمّة، وليكن طعامك الاستغفار والتسبيح، ولا تنطق من دون إذن القلب، عليك ألا تنسى عسل الحب، فهو الذي يجعلك تقاوم، وعليك أن تحمل أمتعتك بيدِ التوحيد والتسليم، وإياك إياك أن تنسى الدموع، فهي شرابك، ومن دونها يُحتم الموت.

ثق بالطريق، فلا وصول من دون ثقةٍ ويقينٍ وحب، وعليك ألا تخبر أحدًا عن رحلتك تلك، خصوصًا الجُهّال، أما وقت الانطلاق ففي أي لحظة.

إن العمل على تخلية النفس ليس أمرًا سهلًا، فتطويع وحش النفس، وإثباتها على درجةٍ معينة، ولجم شهواتها القاتلة، وترويض الروح والقلب المتقلّب الذي لا يُؤتمن، ليس سهلًا، وليس من السهل أن نصل لمرحلةٍ نقولُ فيها: "سهلًا!"

لماذا؟ لأننا لا نجيدُ الحب، لا نسيرُ بحب، لا ننطق به، لا نتكئ عليه، ولا نستأنس به، وإن ادّعيناه، فلو سرنا نحو الهدف لخدمة الدين بحب، لوصلنا، كما وصلَ الذين من قبلن، أرجو لكم رحلةً ملؤها الحب، على حبّ سيدتنا خديجة.