بين ضجيج (چاي أبو علي) و(تفضل يزاير) واعتلاء صوت زيارة آل ياسين صباحاً، وارتفاع صوت المكبرات صادحة: (يسجلني)، ذكريات أكثر من سبعة عشر عاماً، لا أعلم كيف يمكن أن أختزلها في عمود، عندما كنت طفلة، كثيراً ما يأخذني التعب، وأحاول معاودة المسير كي لا أُحرم من المشي أو يرجعوني إلى المنزل، لم أكن حينها بعقيدة اليوم العقلية المنطقية، بل كنتُ بعقيدة الفطرة والحب.
في بادئ الأمر، ما كنتُ لأدرك كيف ينساب هذا الجمع بهذه العناية الفائقة من الإطعام والمبيت وغيرها، في ذاكرتي، كانت المواكب قليلة جداً، لا تكفي عدد السائرين، فما إن حلّت الساعة الخامسة عصراً وبدأت الشمس ترتدي ثوب المغيب، حتى يخرج أهل المنازل القريبة، والذين فتحوا بيوتهم للزوار، بالمناداة: (بات يمنا يزاير).
كان الخوف من الذهاب مع الناس يسيطر علينا في فترة الخطف والإرهاب، حتى بات الأمر أكثر أماناً، وازداد عدد الحسينيات والمواكب، من كل المحافظات، تأتي لتقديم أفضل الخدمات.
حتى الطعام اليوم، على طول الطريق، يحكي نكهات مختلفة تبعاً لطريقة طبخ الدولة أو المحافظة؛ فطريقة طبخ أهالي النجف تختلف عن البصرة، والريف عن المدينة، والعراق عن إيران ولبنان وباكستان واليمن، كلٌ له مذاقه وله رواده.
هذه اللحمة، عندما تراها في الطريق، تقف فاغراً فاك، مسبلاً دمعك، متسائلاً: كيف استطاع هذا الحب أن يجمع هؤلاء ليتركوا الأهل والولد وعملهم، ويأتوا لأكثر من عشرة أيام ليقدموا الخدمات، ويجمعوا مؤونة خلال سنة كاملة كي يوفروا سبل الراحة بأرقى الوسائل؟
إن ما يجمع كل هؤلاء هو عقيدة مغلفة بحب الفطرة، لا تسقيها المصالح ولا تحرّكها الدوافع العابرة، بل تحرّكها النية، ويغذيها الحنين، ويقودها الشوق إلى الحسين (عليه السلام).
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري