شهر رمضان خارج الحدود... لقاء يتجدد بين اسوار الغربة

زهراء جبار الكناني

 

جمعتني الصدفة مع رجل عربي من بلاد سوريا في عقده الاربعين لنقطن بمحاذاة بعضنا في بلاد على الجانب الآخر للمعمورة (النرويج) صداقتي به خففت عني ألم الشوق المزمن الذي لا يبرح ذاكرتي وما إن أعلنت الفضائيات حلول شهر رمضان حتى اعتصرني الحزن فكيف سيكون رمضان هنا يا ترى وأنا بعيد عن رائحة خبز امي؟

علي نبيل شاب مغترب تواصلنا معه عبر مواقع التواصل ليسرد لنا تجربته لرمضان خارج الحدود، حدثنا قائلا:

بعيدا عن مسقط قلبي العراق ها أنا أقضى عامي الثاني بافتراش مائدة افطاري في سماء النرويج اجتمع مع رفاق المهجر حيث جمعني بهم العمل نستذكر ايامنا الجميلة ونحن في كنف عوائلنا، كم هو قاس رمضان الغربة فلا نشعر بنكهته الخاصة ولا حتى بطعم الأطباق التي نحاول جاهدين أن نبتاعها من مطاعم تجهيز الأطعمة الشرقية.

وحول أصعب موقف واجهه في غربته قال: وفاة والدي وعدم حضور مأتم العزاء فلم يتسن لي السفر لرؤيته قبل وفاته فقد توفي بشكل مفاجئ وحينما علمت بذلك لم اتمكن من الحضور الى مأتم العزاء لعدم توفر طائرة تقلني فتأخرت في الوصول إلى الديار.

 

ما أعظمك من شهر

يعيد رمضان للروح صفاءها وللقلب جلاءه وللجسد صحته ورونقه وللذاكرة قوتها حيث تسترجع كل الملفات المحفوظة وتضعها على سطح الحنين(المسحراتي، الأهل، الراحلين، الغائبين، الطفولة، المستقبل، الغربة) بهذه الكلمات استهلت مريم صباح حديثها مغتربة في استراليا مضيفة:

حاولت جاهدة إن أتأقلم في ديار الغربة إلا في شهر رمضان المبارك لا شيء يجعلنا نتجاوز نكهة رمضاننا فنحن من سكنة مدينة بغداد اذ ما زال لصوت الماجينا صدى يتناغم كل مساء مع ذكرياتنا أنا وزوجي.

وما إن يهل شهر رمضان نبدأ نحن ورفاقنا العرب المغتربون بالتجمع كل مساء في باحة احدى الحدائق القريبة من مساكننا لتناول وجبة الافطار معا حيث اصنع اطباقي المفضلة وابدأ بتقديمها على سفرة الافطار في أرض الغربة كما نقوم جميعنا بذلك لنتجاوز شعور الحنين لأهلنا ولأرض الوطن وليمنحنا تجمعنا هذا الشعور بأجواء رمضاننا في ديارنا.

 

روحانية الأجواء

وفي السياق ذاته قالت أم آدم مغتربة في السويد: كل الأيام هنا تشبه بعضها الغربة غربه بكل الاحوال وأصعبها حينما نقضي أنا وعائلتي شهر رمضان خارج الوطن و اكثر ما نفتقده هو رفع الاذان والتمجيدات التي تسبقه في وقت الغروب والسحر مثل جملة (عجلوا بشرب الماء يرحمكم الله أو كلمة امساك) وكثيرا ما اتعرض للسؤال من قبل سكان البلدة لماذا تصمون؟... حيث ترتسم على محياهم علامات الاندهاش كيف بإمكاننا اكمال النهار بدون تناول الطعام و شرب الماء، ولكن في الوقت الحالي تفهموا تقاليدنا وديننا حيث أصبحت بعض المحلات السويدية توفر البضائع العربية الخاصة بشهر رمضان مثل التمور والصور الهلال وغيرها من المجسمات. 

وتابعت: كما نحاول أن نرتب أجواء روحانية دينية بتجمعنا نحن العرب النسوة من خلال احياء ليالي القدر بشعائرها المقدسة وتلاوة القرآن حتى وقت السحر.

 

لا تنسوا بلدكم

وختامنا كان مع عبد عون المسعودي استاذ علم النفس ومحاضر الدراسات العليا في جامعة كربلاء ليشاركنا الحديث قائلا:

من حق الانسان أن يعيش في المكان المناسب له, ومن حقه الاغتراب خارجه وخصوصا إذا كانت هناك ظروف استثنائية وطارئة لمغادرة البلاد كما حصل ويحصل عبر كل المسيرة الانسانية واحداثها، وبالتالي فعلى الانسان أن يوطن نفسه قدر المستطاع ويخلق لنفسه حالة من التأقلم والانسجام مع الحال الجديد والوطن الأخر.

وهذا ما يعانيه المغترب اذ قد يتعرض الشخص لتغيير عاداته وتقاليده وأخلاقه كونها سمات مكتسبة، ولكن أود القول أنتم أحرار أيها المغتربون لكن عليكم أن لا تنسوا بلادكم وتذكروا عاداتها واعرافها مهما ابتعدتم عن الديار تمسكوا بجذوركم وعلموها لأبنائكم فهم امانة في اعناقكم ولا تنجرفوا خلف أي عادات دخيلة.

ختم المسعودي حديثه: إن الوطن هو كالبيت ومهما ابتعد المغتربون يبقى هناك رابط وانتماء للوطن يتوقون للعودة إليه فهو يضم ذكرياتهم كجدار الزمن الذي يخربشون عليه عباراتهم البريئة حتى وأن تغيروا لا يتغير فهو باق ونحن الزائلون.