صندوق سحري مليء بالألوان ويعج بأشكال الاصوات الملفتة، يقبع هناك في أحد اركان المنزل ويشد اليه الأنظار، فترى كل افراد العائلة تتجه اليه، وقد اخذتني الذاكرة الى لقطات لازالت في ذهني تصور كرةً من الثلج تمضي مسرعةً فوق مروج الثلج، متدحرجةً من المنحدرات الشاهقة، ومما يلفت النظر هو الازدياد الواضح للعيان في ذلك الحجم طوال فترة المسير، ونحن نتابع ونتابع لنرى ما سيحدث آخر المطاف، وإذ بها تصطدم بجذع شجرة وبلمح البصر تتناثر في كل حدب وصوب وتؤذي شظاياها كل من حولها.

 

والآن وبعد مضي كل تلك السنوات استعدت تلك الصورة الثابتة في البال عندما بدأت التحدث عن دائرة التوتر، وكيف لها ان تؤثر على مفاصل حياتنا في حال لم نستطع ان نوقف دورانها المخيف.

 

كثيراً ما تعترضنا المشاكل سواء في حياتنا الأسرية، او في اجواء العمل، وربما في أي ركن من اركان حياتنا وربما الكثير منا يختار وضع التجاهل والسكوت عما يجري من احداث او ازعاجات ويعتقد ان ما يفعله يقيه من تفاقم المشكلة، ونجد أن التجاهل يعقبه تجاهل وهكذا.. حينها نكون قد قمنا بدحرجة كرة الثلج بأيدينا ووضعناها على طريق التفاقم والتضخيم الذي سيؤدي الى الانفجار عاجلاً ام آجلاً.

 

وعند تسليط الضوء على دائرة التوتر نجدها تتكون من ثلاث اجزاء، اولها هو التوتر نفسه وثانيها ظهور المشكلة للعيان ومن بعدها المرور بشهر العسل.

 

وعند التوتر يكون هناك سوء للفهم بسبب الصور الذهنية المتوارثة عبر الاجيال لمواقف او كلمات سابقة وتفسيرها بصورة متكررة مليئة بالشوائب والتشويه مع عدم ايجاد الفرصة للاستماع الفعال من قبل الاطراف، ثم يتلوها ظهور المشكلة للسطح إما عن طريق التهديد او الصراخ وربما يصل الى الضرب او الطرد من المكان، وبعد كل ما يحصل نصل الى مرحلة شهر العسل وفيها يبدأ تأنيب الضمير والشعور بعدم الرضا عن كل ما حدث فيبادر المسيء لنيل القبول والسماح، إما عن طريق الاعتذار المباشر او تقديم الهدايا ليصفح من تأذى عنه، ومن المهم ان نعرف ان بين كل مرحلة والأخرى هناك فترة زمنية غير محددة، فربما يبدأ التوتر ويستمر لفترة اشهر او لربما سنوات الى ان تبدأ مظاهر التوتر تطفو على السطح كما ذكرنا سابقاً اذ ربما يتحمل احد الاطراف لسنوات عديدة ما يحدث ولكن حينها سيكون تحطم كرة الثلج بالشكل الكبير والمهول والذي سينال كل طرف منهم جزءاً من الأذى جراء هذا التحطيم ، بل سيتعداهم الأذى الى المحيطين بالطرفين .

 

في حال الشعور بأن هناك بداية لتشكل دائرة التوتر يجب حينها ايقاف دورانها، ففي كل حركة سيتضاعف حجمها وبالتالي الآثار الناجمة عن الانفجار ستكون ادهى وأمر، لذا علينا ان نقوم بوضع العصا وسط تلك العجلة ونوقف الدوران وذلك باستشعار بداية الاشارات الخاصة بمرحلة التوتر والسعي لتفكيك حلقاتها قبل ان تزداد سمكاً وقوةً ليتم توفير دفء العلاقات والراحة النفسية كما اشار لذلك الامام جعفر الصادق عليه السلام بقوله : "إن المؤمن ليسكن إلى المؤمن كما يسكن الظمآن إلى الماء البارد"  (1)

ولنتخير من المفردات احسنها ونرسلها للمقابل امتثالاً لقول الإمام محمد  الباقر حيث قال : " قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم" (2)

ونمضي في طريق  تفعيل دوائر المحبة لننثر الوئام والود فيما بيننا.

 

خلود ابراهيم البياتي

 

(1) الكليني: محمد بن يعقوب بن اسحاق/ الأصول من الكافي ج2 ص247.

(2)  المجلسي: محد باقر/ بحار الأنوار ج68 ص310.