لا يكاد يمر موسم من فصول السنة دون أن نرى مريضاً يصارع ضيق التنفس، أو طفلاً يخنقه السعال ليلاً، وفي غمرة الخلط الشعبي بين "الحساسية العابرة" و"الأمراض المزمنة"، يبرز مرض الربو كأحد أكثر الملفات الطبية تعقيداً وإثارة للقلق، في هذا العدد، نفتح ملف الجهاز التنفسي من داخل مستشفى السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام) التخصصي للمرأة، حيث استضافت للقوارير الدكتورة بلسم نصر، استشارية الأمراض الصدرية، لم يكن اللقاء مجرد سرد لنصائح طبية تقليدية، بل كان أشبه بـ "خارطة طريق" لتصحيح مفاهيم مغلوطة كادت أن تودي بحياة الكثيرين. انطلق حوارنا من تساؤل جوهري حول ماهية هذا المرض الذي بات يهدد أكثر من ثلث سكان بعض المناطق، فكانت الإجابات صادمة ومستنيرة في آن واحد.
دكتورة بلسم، لنبدأ من نقطة الصفر؛ هل الربو مجرد "تحسس" كما يشاع مجتمعياً، أم أن الحقيقة الطبية تذهب لأبعد من ذلك؟
في الواقع، الربو هو مرض التهابي مزمن يصيب القصبات الهوائية، ولا يمكن اختزاله في كلمة "تحسس"، هو عملية معقدة تعمل داخل الرئة عبر ثلاث آليات متزامنة: تشنج في القصبات، زيادة مفرطة في المفرزات المخاطية، والتهاب حقيقي في الجدران القصبية، ولعل الإحصائيات تصدم البعض، فنسبة الإصابة تتجاوز (30%) في بعض المناطق، خاصة الساحلية والرطبة، مما يجعله مرضاً شائعاً جداً وليس مجرد حالة نادرة كما يظن البعض.
يخلط الناس كثيراً بين "حساسية الربيع" والربو، أين يكمن الفرق الجوهري؟
هذا الخلط هو "مربط الفرس" في تأخر العلاج، الحساسية الربيعية ليست إلا جزءاً واحداً أو وجهاً من وجوه الربو، الربو أعمق وأشمل، وتشخيصه لا يجب أن يعتمد أبداً على مجرد مطابقة الأعراض الظاهرية، بل لا بد من إجراء فحص وظائف الرئة بدقة، لقد واجهت في مسيرتي حالات لمرضى يستخدمون البخاخات لمدة (20) عاماً دون تشخيص دقيق، لنكتشف لاحقاً أن المشكلة قد تكون ورماً في الحنجرة أو سدة رئوية وليس ربواً، لذا التشخيص البدئي الصحيح هو الخطوة الأهم في حياة المريض.
ما هي "العلامات الحمراء" التي يجب أن تستنفر المريض لمراجعة الطبيب فوراً دون انتظار؟
الأعراض تختلف، لكن السعال الجاف هو العرض الأبرز، وخاصة "السعال الليلي" الذي يوقظ المريض فجراً، يضاف إلى ذلك صوت الصفير أو "الأزيز" المسموع، والذي قد يصل في بعض الحالات لدرجة أن الجيران يسمعون صوت صدر المريض من شدته، أما أخطر الحالات فهي التي نسميها "نوبة الربو الصامتة" حيث يعجز المريض عن الكلام تماماً، وهذه حالة مهددة للحياة تستدعي الطوارئ فوراً، وقد تطلبت بعض الحالات النادرة وضع المريض على جهاز التنفس الصناعي.
تحدثتِ عن محفزات بيئية ووراثية، ما هي "القائمة السوداء" التي يجب أن يتجنبها مريض الربو في حياته اليومية؟
القائمة تبدأ من العوامل الجوية كالغبار وحبوب الطلع، وتغيرات درجات الحرارة المفاجئة، لكن اللافت مؤخراً هو شراسة فيروسات الأنفلونزا التي أصبحت تحرض نوبات حادة جداً، هناك أيضاً "الربو المهني" المرتبط ببيئات العمل مثل معامل الإسمنت والحديد، ومن واقع تجربتي، أركز بشدة على خطر "الحيوانات الأليفة"؛ فقد عالجت فتيات في مقتبل العمر وصلن لحالة فقدان النطق بسبب الوبر والتماس المباشر مع القطط والطيور داخل غرف النوم، وهذا يتطلب وقاية صارمة.
بالنسبة للعلاجات، هناك تخوف دائم من "البخاخات" وإدمان الكورتيزون، ما هي حقيقة هذا الخوف؟
هذه هي الجوهرة في العلاج؛ يجب أن يفهم المريض أن البخاخ الوقائي هو الشفاء الحقيقي، لأنه يسحب الالتهاب من الأغشية، المشكلة تكمن في أن المريض عندما يشعر بتحسن يظن أنه شفي تماماً فيوقف العلاج، وهذا خطأ فادح، الربو يحتاج لالتزام طويل الأمد، كما أحذر بشدة من أدوية مثل (البروفين والديكلون)، فهي قد تكون قاتلة لمرضى الربو، ويجب استبدالها ببدائل آمنة تحت إشراف الطبيب.
لفت انتباهنا إشارتك لارتباط فيتامين (د) بمرض الربو، كيف يؤثر ذلك خاصةً على شريحة النساء؟
نعم، الدراسات الطبية تؤكد أن نقص فيتامين (د) يحرض الحساسية في الأنف والقصبات، وفي مجتمعنا نجد أن نسبة كبيرة جداً من النساء يعانين من هذا النقص، مما يجعل نوبات الربو لديهن، خاصة في فترات الحمل أو سن اليأس، أكثر مقاومة للعلاجات التقليدية، لذا، فإن فحص مستويات الفيتامينات هو جزء أساسي من البروتوكول العلاجي الذي نتبعه لضمان استجابة الجسم.
في نهاية حوارنا مع الدكتورة بلسم، يتضح لنا أن مريض الربو ليس بحاجة إلى وصفة دواء فحسب، بل هو بحاجة إلى "كتيب إرشادي" يحمله في عقله قبل جيبه، إن الاستسلام لفكرة الشفاء اللحظي وإهمال المتابعة الدورية هما العدو الحقيقي للرئة، ليكون التنفس الطبيعي حقاً مكتسباً لا صراعاً يومياً.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري