الحاجة أم حسين امرأة عراقية في نهاية الأربعينات من عمرها، نزحت من كردستان العراق إلى كربلاء المقدسة إبّان حرب عصابات داعش الإرهابية، وكانت كغيرها من النساء والعوائل، قد تركت بيتها الذي كانت تعيش فيه، ومن خلفها أحلام وذكريات تتجسد في بيت صغير في قرية تقع على تل مرتفع وبارز للعيان، في إحدى القرى الجميلة في كردستان العراق، حتى إن بيتها العالي يكاد يصل إلى السحاب، لأن منطقتهم كانت مرتفعة جدًا، فكان هناك موطن روحها قبل جسدها، حيث الهواء العذب النقي، والأجواء اللطيفة، والمناظر الطبيعية الخلابة التي اعتادت على رؤيتها يوميًا، وكان لديهم المزارع والبساتين والمواشي والأغنام التي يعتاشون عليها، في خير ويسر من العيش، وعافية من الله تعالى وقناعة.

الحاجة أم حسين سمحة الوجه، بهية الطلة، وقد ارتسمت على وجهها تجاعيد خفيفة، كأنها لوحات فنية على وجهها الفلاحي الجميل ذي الوجنات الحمراء، فكان وجهها البشوش يجلب السرور لكل من يراه، بعد نزوحها إلى كربلاء مع عائلتها، التي كانت تتكوّن من زوجها وأربعة أولاد (بنتان وولدان)، لم يكن لديهم بيت يسكنون فيه، فاضطرت هي وزوجها إلى استئجار بيت صغير ومتواضع يقع في أحد أحياء كربلاء.

عمل زوجها أجيرًا في أحد المحال في الحي نفسه، فكان هناك شيء من اليسر في أمرهم، لا سيما وأن الحاجة أم حسين كانت طيبة القلب، صافية النية، متوكلة على الله تعالى في جميع شؤونها، ومتعففة؛ لم تُكثر من الشكوى والتأفف، بل كان لسانها يلهج بالحمد والشكر لله تعالى كلما رأيتها، إلا أن الدخل المالي للزوج كان قليلًا نسبيًا ولا يكفي العائلة، إذ كانت مصاريفهم ثقيلة، من سكن ومعيشة ومدارس، إضافة إلى علاج ابنتهم المريضة التي كانت تعاني من اضطراب نفسي نتيجة الصدمات التي تعرضت لها خلال حرب داعش، في أيامهم الأخيرة قبل مغادرة قريتهم، وقد أثّرت تلك الصدمات بشكل كبير في نفسيتها، مما استدعى إلى اخضاعها للعلاج بالأدوية والعقاقير الطبية.

وبسبب هذا الضغط المادي، قررت الحاجة أم حسين مساعدة زوجها، إذ كانت بارعة جدًا في الطهي، وتجيد عمل الكبة الموصلية بأنواع متعددة، فبدأت ببيعها لجاراتها وأهل الحي، فاشتهر عملها وذاع صيته، وأحب الناس كبتها لما تمتاز به من طعم لذيذ وجودة.

وبمرور الوقت، أصبحت تحصل على أرباح جيدة من عملها المتعفف، وتوسّعت فيه، ورُزقت منه خيرًا وفيرًا، وفي بعض الأحيان، توزع الكبة مجانًا على جاراتها بثواب الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وتقول: إن هذا العمل يبارك في الرزق ويجلب الخير والبركة، ولم توافق الحاجة أم حسين يومًا على أن يترك أحد أبنائها الدراسة من أجل العمل ومساعدة العائلة، بل كانت حريصة على أن يكمل جميع أولادها وبناتها دراستهم، ويبنون حياتهم ومستقبلهم خطوة بخطوة، وكانت لهم المحفّزة والملهمة والمعلمة دائمًا.

كما كانت تحرص على حضور المجالس الحسينية، وكان ذلك جزءًا من عقيدتها العميقة الراسخة، ولا أنسى أني رأيتها مرة في أحد هذه المجالس، وهي تلطم وتبكي بحرقة، وتندب الإمام الحسين (عليه السلام)، حتى وقعت مغشيًا عليها، فتوافدت النساء مسرعات لجلب الماء ورشه على وجهها حتى أفاقت، وكانت تقول دائمًا: نحن نتعلم من الحسين (عليه السلام) وأهل بيته الصبر وقوة الإيمان والتحمل، فهم مدرستنا التي نتعلم منها، وهم الذين يقفون إلى جانبنا.

وهكذا، وبهذه العقيدة والروح الصابرة، تكمل الحاجة أم حسين حياتها في يوم يسر أو يوم عسر؛ فهذه طبيعة الحياة، لا تخلو من كدر، ومن عسر ويسر، لكن الأهم أن يكون الإنسان ذا قيم ومبادئ وعقيدة سليمة صافية، لا تشوبها شائبة تُدنّس صفاءها.