منذ أن يَطلُّ هِلال شهر الأحزان على سماءِ كربلاء، تتبدّل ملامح الروح قبل المكان، وتمتلئ البيوت والحسينيات بعبقِ المجالس الحسينية التي حَملت عبر القرون رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى القلوب قبل الأسماع، ولم تكن المرأة الكربلائية يومًا بَعيدة عن هذا الإرث، بل كانت من أوائل الحارسات له، ومن أكثر الأصوات قدرةً على حفظه ونقله من جيل إلى آخر، لقد بدأت الحكاية من رحم الفاجعة نفسها، حين تحوّل الحزن إلى رسالة، والبكاء إلى وعي، والصوت النسائي إلى منبر يحفظُ القضية الحسينية من النسيان، فمنذ الأيام الأولى بعد واقعة الطف، وقفن النساء ليحملن مسؤولية السرد والرثاء وحفظ الذاكرة، حيث كانت السيدة زينب (عليها السلام) أول خطيبة صنعت من الألم خطابًا خالدًا، فحوّلت مأساة كربلاء إلى قضية إنسانية حيّة، وتبعتها نساء أهل البيت اللواتي أقمن المآتم في المدينة والشام وكربلاء، ليكون المجلس الحسيني النسوي النواة الأولى للوعي الحسيني الممتد حتى اليوم.
ولم تكن تلك المجالس مجرّد لحظات حزن عابرة، بل كانت مدرسة تربوية واجتماعية تحفظ العقيدة وتبني الأجيال، فالمرأة التي كانت تجلس بين النسوة لتقرأ المقتل أو تنشد القصائد لم تكن تؤدي دورًا صوتيًا فقط، بل كانت تحمل رسالة ثقافية وأخلاقية تحفظ هوية المجتمع وتربط الأطفال والنساء بتاريخهم الروحي والإنساني، ومع تعاقب العصور، ظلّت المرأة العراقية، والكربلائية على وجه الخصوص، تحرس هذا التراث رغم ما واجهته من تضييق وقسوة سياسية ففي العصر العباسي، حين اشتد الخوف ومُنعت الشعائر، انتقلت المجالس إلى داخل البيوت، لتصبح النساء حافظات سرّ الذاكرة الحسينية، كانت العلويات ونساء البيوتات العلمية يروين السيرة والمقتل بصوت خافت، لكن أثره ظلّ عميقًا في النفوس.
ثم جاء العصر العثماني، حيث ظهرَ مصطلح "الملاية" بشكل واضح، لتتحول المرأة الخطيبة إلى شخصية اجتماعية مؤثرة داخل المجتمع الكربلائي والنجفي، فقد كانت نساء العوائل الدينية يفتحن بيوتهن للمجالس، ويشجعن الفتيات على حفظ القصائد والروايات الحسينية، خوفًا من اندثار هذه الشعائر، وفي تلك المرحلة لمع عدد من الأسماء النسائية التي عُرفت بقوة الخطابة وجمال الأداء وحفظ السيرة الحسينية وبعد انتشار الوعي الحسيني والديني في العصر الملكي، فقد شهدت المجالس النسوية اتساعًا أكبر، وخرجت من البيوت الضيقة إلى الحسينيات والدواوين الواسعة، لتصبح جزءًا مهمًا من الحياة الاجتماعية في كربلاء، وهناك برز اسم الملا هدية الأصيل بوصفها واحدة من أشهر الخطيبات الكربلائيات في خمسينيات القرن الماضي، فكانت تمتلك حضورًا لافتًا وصوتًا مؤثرًا جعلها تتصدر المجالس النسائية في كربلاء، وقد عُرفت ببلاغتِها وقدرتها على شدّ النساء ونقل أحداث واقعة الطف بأسلوب يمزج بين الحزن والوعي، وبعد رحيلها استمرت قراءة المقتل الحسيني ونشر تعاليم الدين الإسلامي، حيث لمعت أسماء نسائية أخرى حملن الراية نفسها لينير تألقهن ظلام الليل ، مثل الملا حربية والملا زكية والملا رازقية والملا نسمة وغيرهن من النساء اللواتي حافظن على هوية المجلس الحسيني النسوي في كربلاء، وجعلن من أصواتهن جسرًا يصل الماضي بالحاضر.
ولم تتوقف هذه المسيرة حتى في أصعب الفترات السياسية، ففي زمن التضييق والحظر، عادت المجالس إلى السرّية، وأصبحت النساء يقمنها داخل البيوت تحت عناوين اجتماعية مختلفة خوفًا من الملاحقة، وبالرغم من ذلك بقي الصوت الحسيني حاضرًا، لأن المرأة العراقية كانت تُدرك أن المجلس ليس مجرد عزاء، بل حماية للذاكرة والعقيدة والهوية، أما في العصر الحديث، تطوّر المنبر النسوي الحسيني تطورًا كبيرًا، فلم يعد قائمًا على النياحة والرثاء فقط، بل أصبح مساحة فكرية وثقافية وتربوية، حيث ظهرت الخطيبة الأكاديمية والمبلغة الواعية، وأصبحت المؤسسات النسوية في العتبات المقدسة والحوزات العلمية تسهم في إعداد جيل جديد من الخطيبات اللواتي يجمعن بين المعرفة الدينية والوعي الاجتماعي والأسلوب الأدبي المؤثر فيمكن للمتأملة في تاريخ كربلاء أن تدرك دور المرأة إذ لم تكن شاهدة على الحزن فحسب، بل كانت صانعة للذاكرة أيضًا، فمن المجالس الأولى التي أقامتها نساء أهل البيت، إلى أصوات الملايات الكربلائيات، وصولًا إلى المنابر النسوية الحديثة، ظلّ الصوت الأنثوي الحسيني يحمل رسالة واحدة: أن تبقى كربلاء حيّة في القلوب، وأن يبقى التراث الأدبي والحسيني ممتدًا في ذاكرة الأجيال.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري