في كثير من البيوت، لا تُسمع سوى أصوات التلفاز أو الهواتف المحمولة، بينما يغيب الحوار الحقيقي بين أفراد الأسرة، تمر الأيام، ويتبادل الأهل والأبناء كلمات مقتضبة لا تتجاوز الاحتياجات اليومية، فيتحول الصمت تدريجياً إلى حاجز نفسي يباعد بينهم، ويؤثر في الثقة والتفاهم داخل المنزل، ويرى مختصون أن غياب الحوار الأسري لا يحدث فجأة، بل يتراكم مع ضغوط الحياة، والانشغال بالعمل والدراسة، والاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية، فضلاً عن اعتقاد بعض الآباء أن توفير الاحتياجات المادية يكفي لبناء علاقة متينة مع الأبناء، في حين تبقى حاجتهم الأكبر إلى الاستماع والاحتواء.
تقول أم أحمد، وهي موظفة وأم لثلاثة أبناء، إن ضغوط العمل جعلت الوقت الذي تقضيه مع أطفالها محدوداً، مضيفة: "في نهاية اليوم يكون الجميع منشغلاً بهاتفه، وأحياناً تمر أيام من دون جلسة عائلية حقيقية، حتى أصبحت أشعر بأنني لا أعرف تفاصيل حياتهم كما في السابق"
أما الطالب الجامعي علي حسن، فيؤكد أن كثيراً من الشباب يترددون في الحديث مع ذويهم خوفاً من الانتقاد أو عدم تفهم آرائهم، مبيناً أن بعض الأبناء يفضلون مشاركة مشكلاتهم مع الأصدقاء أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من اللجوء إلى الأسرة.
ضغوط
أصبحت ظاهرة غياب الحوار داخل الأسرة أكثر انتشاراً في الوقت الحالي بفعل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتزايد الانشغال بوسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، الأمر الذي انعكس سلباً على العلاقات الأسرية، وعلى الصحة النفسية والاجتماعية للأبناء.
وفي هذا الإطار، أكدت أخصائية الطب النفسي، الدكتورة بتول عيسى، في حديثها لـ"للقوارير"، أن الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها الأسر تدفع الأب والأم إلى العمل لساعات طويلة، ما يجعلهما يعودان إلى المنزل في حالة من الإرهاق والتعب، وبالتالي لا يستطيعان تخصيص مساحة كافية للحوار مع أبنائهما أو الاستماع إليهم بشكل حقيقي، مبينةً أن هذه المشكلة تتفاقم أيضاً بسبب إدمان استخدام الهاتف المحمول ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو أمر لا يقتصر على الأبناء فقط، بل يشمل البالغين أيضاً.
وأضافت أن بعض الآباء أو الأمهات يقضون أوقاتاً طويلة في استخدام الهواتف، أو ممارسة الألعاب الإلكترونية، أو متابعة التطبيقات المختلفة، على حساب التواصل المباشر مع الأبناء، فيتحول التواصل داخل الأسرة إلى حدود الطعام والرعاية اليومية فقط، من دون أن يمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والعاطفية التي يحتاج إليها الأبناء في مراحل نموهم المختلفة.
أسباب
وأوضحت الدكتورة بتول أن من أبرز الأسباب النفسية والاجتماعية التي تؤدي إلى غياب الحوار داخل الأسرة اعتماد بعض الآباء والأمهات أسلوب التسلط في التعامل مع الأبناء، بحيث لا تكون العلاقة قائمة على التفاهم أو الصداقة أو الاحتواء، بل على فرض السلطة والتحكم، ما يدفع الطفل أو المراهق إلى الخوف من التعبير عن رأيه أو الحديث عما يمر به، خشية التعرض للعقاب أو الانتقاد أو السخرية أو الأحكام السلبية.
وأشارت إلى أن الفجوة الجيلية بين الآباء والأبناء تمثل سبباً آخر لضعف الحوار، بسبب اختلاف القيم واللغة وطريقة التفكير بين الجيلين، الأمر الذي يخلق بيئة صعبة للتفاهم، إلى جانب الضغوط اليومية والإرهاق اللذين يحدان من قدرة الوالدين على منح الوقت الكافي لأبنائهما.
ولفتت إلى ضعف المهارات التواصلية لدى كثير من الأسر، موضحةً أن المؤسسات التعليمية لا تقدم دروساً أو برامج تُعنى بتعليم مهارات الحوار والتواصل أو أساليب التربية السليمة، بل تركز غالباً على التحصيل الدراسي والحصول على المعدلات والوظائف، من دون بناء وعي حقيقي يؤهل الفرد ليكون أباً أو أماً أو شريك حياة قادراً على تأسيس أسرة صحية.
وبينت الدكتورة بتول أن غياب الحوار داخل الأسرة يترك آثاراً نفسية خطيرة على الأبناء، إذ يشعر الابن أو الابنة بالوحدة والإهمال العاطفي، وبأن رأيه غير مهم، ما قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس، وضعف تقدير الذات، والانسحاب الاجتماعي، فضلاً عن زيادة احتمالات الإصابة بالاكتئاب، وقد يصل الأمر، في بعض الحالات، إلى التفكير بالانتحار.
كما حذرت من أن هذا الغياب ينتج جيلاً يفتقر إلى مهارات بناء العلاقات الصحية في المستقبل، لأنه لم يتعلم داخل أسرته أسس التواصل الاجتماعي السليم.
وأكدت أن ابتعاد الأسرة عن أبنائها، وضعف التواصل الحقيقي معهم، يدفعهم إلى البحث عن بدائل خارج المنزل، سواء عبر الصداقات أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، منوهةً إلى أن هذه البدائل قد تكون خطرة إذا كانت البيئة المحيطة سلبية، إذ قد تقود إلى سلوكيات منحرفة أو غير صحية، كما قد تفتح الباب أمام التعرض للاستغلال أو التنمر أو أشكال أخرى من المخاطر الإلكترونية.
وشددت بتول على أن بناء بيئة آمنة للحوار داخل الأسرة يتطلب الإصغاء الحقيقي للأبناء من دون مقاطعة أو إصدار أحكام أو ممارسة النقد والسخرية، مع ضرورة تقبل اختلاف الرأي، والتعبير المستمر عن الحب والدعم بشكل واضح.
كما دعت إلى تخصيص وقت يومي أو أسبوعي للحوار العائلي، حتى لو كان بسيطاً، من خلال الحديث عن تفاصيل اليوم، وما جرى في المدرسة أو العمل أو مع الأصدقاء، ليصبح الحوار سلوكاً طبيعياً داخل الأسرة، لا أمراً يُلجأ إليه فقط عند وقوع الأزمات أو المشكلات.
وقدمت بتول العديد من النصائح العملية لتعزيز الحوار داخل الأسرة، في مقدمتها جعل الحوار عادة يومية أو أسبوعية ثابتة، وتخصيص ساعة أو ساعتين أسبوعياً، أو وقت محدد يومياً، مثل وقت العشاء، لجلوس أفراد الأسرة معاً والتحدث عن تجاربهم ومشاعرهم، وما يمرون به من مواقف داخل المدرسة أو الروضة أو الشارع أو محيطهم الاجتماعي، من دون تسلط أو إصدار أحكام، كما دعت إلى تقليل استخدام الهاتف داخل المنزل، لافتةً إلى أن الأبناء يقلدون سلوك آبائهم وأمهاتهم، فإذا وجدوا الأم أو الأب منشغلين بشكل دائم بالهاتف، فإنهم سيكررون السلوك ذاته، بينما يمكن استثمار الوقت في أنشطة بديلة تعزز الحوار، مثل القراءة، أو مشاركة قصة، أو الحديث عن كتاب، بما يسهم في خلق بيئة أسرية أكثر دفئاً وتواصلاً.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري