عند إشراقة شمس أول أيام الربيع، ينساب الضوء بهدوء فوق الأرض، فيوقظ الأشجار من سباتها، ويمنح الأزهار ألوانها، ويبعث الدفء في النفوس قبل الأجساد، كأن هذا اليوم يحمل رسالة حياة جديدة، تتوزع فيها أشعة الشمس كما تتوزع الأرزاق على الخلق جميعًا؛ فلا ينسى الله طائرًا في السماء، ولا نبتة في الأرض، ولا إنسانًا ينتظر فضله ورحمته، إنه موسم تتجدد فيه الحياة، ويتجدد معه الأمل، ويستشعر الناس سعة رحمة الله التي تشمل كل مخلوق.

في مجتمعنا لا يمر هذا اليوم كسائر الأيام، بل تسبقه وترافقه استعدادات روحية واجتماعية تتوارثتها الأجيال، يبدأ كثير من الناس نهارهم بالصيام، ويحيونه بالصلاة وتلاوة القرآن الكريم وقراءة الأدعية المأثورة، طلبًا للبركة والقرب من الله تعالى، وبينما يستعد الناس لاستقبال أيام الفرح المقبلة، يبقى في القلوب حنين يدفعهم إلى الوفاء لمن رحلوا عن الدنيا، فيتوجهون إلى زيارة أهل القبور والدعاء لهم، حيث يحمل الزائر معه كُتيبًا صغيرًا من القرآن الكريم أو الأدعية الخاصة بزيارة المقابر، ويهيئ شيئًا من الحلوى أو المعجنات أو الفواكه، لتُوزع صدقةً عن أرواح موتاه وموتى أقاربه، ثم تتجه العائلات إلى مقابر أحبائها في النجف الأشرف، أو كربلاء المقدسة، أو بغداد، أو غيرها من مدن العراق، حيث يرقد الآباء والأمهات والأجداد ومن سبقونا إلى رحمة الله ، فيحملون معهم قوارير ماء الزهر التي تعبق برائحتها الزكية، والشموع توقد بهدوء، والبخور يملأ المكان بعطره، فيمتزج كل ذلك بالدعاء وتلاوة القرآن، فيتكون مشهد يجمع بين الإيمان والعاطفة والوفاء، إنها لحظات يشعر فيها الإنسان أن صلته بأحبائه لا تنقطع بالموت، وإنما تستمر بالدعاء والصدقة وذكرهم بالخير، ومن المهم أن يدرك الجميع أن هذه العادات لا تتعارض مع تعاليم الإسلام، ولا تدخل في باب الشرك أو الجحود كما قد يظن بعض الناس، فالزائر لا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يطلب المغفرة إلا منه، وإنما يقرأ القرآن الكريم، ويدعو لموتاه بالرحمة والمغفرة، ويتصدق عن أرواحهم، وهي أعمال حث عليها الدين الإسلامي، لأنها تُعبر عن البر والوفاء وصلة الرحم حتى بعد الرحيل.

لكن المؤسف أن كثيرًا من أبناء الجيل الجديد أصبحوا بعيدين عن هذه المشاهد التي كانت يومًا جزءًا من حياة الأسرة العراقية ، انشغلوا بإيقاع الحياة السريع، وغابت عنهم تفاصيل صغيرة كانت تصنع في نفوسنا معاني الوفاء والرحمة، ومن هنا يأتي دور الأم، وهي المدرسة الأولى، في أن تغرس في أبنائها حب هذه العادات الجميلة، وأن تصحبهم إلى المقابر، وتعلمهم قراءة الفاتحة، والدعاء للموتى، وإهداء ثواب القرآن إليهم، حتى تصبح هذه الأعمال جزءًا من شخصيتهم وسلوكهم، فقد يأتي يوم نصبح نحن فيه تحت التراب، ولن يبقى لنا بعد رحمة الله إلا دعوة صادقة، أو آية من القرآن يتلوها ولد بار، أو حفيد اعتاد منذ صغره أن يزور المقابر ويترحم على من سبقوه، وما نزرعه اليوم في نفوس أبنائنا سنجنيه غدًا حين نصبح نحن أحوج ما نكون إلى الدعاء.

  إنها عادات قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل في داخلها معاني كبيرة؛ فهي تُعلمنا الوفاء، وتربط الحاضر بالماضي، وتغرس في القلوب الإيمان بأن الإنسان لا يُنسى ما دام هناك من يذكره بدعوة صادقة ورحمة خالصة، ولذلك فإن الحفاظ على هذه العادات ليس حفاظًا على طقس اجتماعي فحسب، بل هو حفاظ على قيم إنسانية وإيمانية تستحق أن تنتقل من جيل إلى جيل، حتى لا يغطيها غبار الزمن.