قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة/55).

تعرف الأسرة بأنها النواة الأولى للمجتمع، ولكن كيف للأسرة أن تكون لها علاقة بالولاية؟، المعنى من الولاية هي ولاية محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم)، وهي حاكمية وخلافة محمد وآل محمد على العباد ووجوب الإيمان بهم والتصديق بما جاءوا به عن النبي الأكرم محمد (صل الله عليه وآله) عن الوحي جبريل عن الله تعالى، كما في قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} (النجم/3-4)، فبالإضافة إلى ولايتهم فهم قدوتنا في الحياة، بل هم الدستور الذي وجب علينا أن نسير على منهجه أمام الله تعالى وأمام أنفسنا.

كيف نسير على نهجهم؟ لو بحثنا في المصادر الإسلامية للاطلاع على العلاقات الأسرية بين النبي وآل بيته الطيبين الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) لوجدنا أقرب مثال هو حديث الكساء([1]) وكيفية، التعامل الراقي، والكم الكبير من المحبة والمودة والخضوع والتواضع بين أفراد الأسرة، ومما يوصي به الرسول الأعظم (صلوات الله عليه وعلى آل بيته الطيبين) في التكوين الأسري، الذي هو منبع حياة الدين الإسلامي فمنه يتكاثر المسلمون، حيث ورد عن النبي الأكرم (صل الله عليه وآله): ((تناكحوا تناسلوا فإني اباهي بكم الأمم يوم القيامة))([2]).

كما أن الإسلام قد أنصف الجنس البشري إنصافاً لم يكن لشريعة قبله، فقد أنصف الزوجة والزوج، حيث يقول النبي الأكرم (صل الله عليه وآله): "جهاد المرأة حسن التبعل"، وأوصى الرجال بزوجاتهم فقال: "استوصوا بالنساء خيراً فإنهم عندكم عوان (أي اسيرات)"  ([3]

 وقال الإمام الصادق (عليه السلام): "لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته وهي الموافقة ليجتلب بها موافقتها ومحبتها وهواها، وحسن خلقه معها، واستعماله استمالة قلبها بالهيئة الحسنة في عينها، وتوسعته عليها" ([4]).

ولا يخفى عنا رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهو يتكلم عن حقوق الزوجة والأم والأب، والابناء، وهي جزء من خمسين حق تنظم حياة المجتمع وتصلح طبائعه وأحواله ومنهج سلوكه.

لذلك ومن منطلق العناية الإلهية بالعباد ووجود العترة الطاهرة في هذه الحياة، وأن كلام النبي والأئمة وفعلهم وتقريرهم أمر واجب الطاعة، فإن كل ما جاءنا منهم يلزمنا بالامتثال له، والعمل به.

فيمكننا تلخيص بعض النقاط التي توضح دور الولاية في تحديد المهام الاسرية:

1-  أهمية الحفاظ على العلاقات الإنسانية والأخلاقية داخل الأسرة إلى أبعد الحدود لأنها تشكل البذرة الأولى في طريق التعامل الأسري في الشريعة الإسلامية

2-  المراعاة والتعاون في المسؤولية الأبوية والتحلي بالصبر في إدارة المهام الاسرية، من منطلق {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} (المائدة/2).

3-  إن طرق التعامل داخل الأسرة لها تأثير كبير في تحديد ميول الأزواج اتجاه بعضهم والأبناء اتجاه آبائهم، لذلك فإن علماء النفس مهما حاولوا أن يوجدوا حلولاً لبعض العقد النفسية الأسرية لن تكون أفضل مما جاء به القرآن الكريم والسيرة النبوية العطرة.

4-  إن مسالة الأرحام تعطي شعوراً بالأمان والضمان من طوارق الحياة وخفاياها؛ لذلك نلاحظ أن حديث الكساء يشخص العلاقة الأبوية بين الرسول (صل الله عليه وآله) وبين السيدة الزهراء (عليها السلام) وعائلتها وتلك العبارات المنمقة الجميلة ومنها قول السيدة فاطمة لأبيها عندما قال لها أني أجد في بدني ضعفاً، قالت أعيذك بالله يا أبتاه من الضعف، أي إنها بادرت بالدعاء والكلام الطيب قبل أن تجلب له ما طلبه.

 وهذا دور الكلمة الطيبة في حياة المسلمين على وجه العموم وفي الحياة العائلية وقبلها العلاقة الزوجية، فمن منطلق الحفاظ على المجتمع الإسلامي، يجب التدبر والتفحص في أحوال المجتمعات الإسلامية التي صارت تعاني من خلل في المنظومة الأسرية لماذا يحدث خلل ونحن نملك أفضل دستور شرع لنا القوانين والأنظمة وهو القرآن الكريم، وأعظم قائد وآل بيته في التاريخ وهم محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، ألا يجعلنا هذا الأمر نقف وقفة تفكر في أحوال المسلمين وعزوفهم عن حمل مسؤولية الزواج أو تكوين عائلة فيها أولاد وأحفاد واتساع في الاطار العائلي؟

لذلك علينا أن نقف وقفة مع أنفسنا ونراجع أحوالنا ونسعى جاهدين إلى تذليل الصعاب وتذويب الشكوك والحيرة من خلال معالجة نفوسنا وتهذيبها والالتزام الأخلاقي بما جاء به النبي وآل بيته (صلوات الله عليهم) لنحافظ على أجمل هدية أهداها الله تعالى لعباده وهي ذلك السكن أو الوطن الصغير الذي يجمع به الحلال والأمان والاستقرار.

 


[1] () مفاتيح الجنان، القمي، عباس، دار المحجة البيضاء، ص433

[2] () جامع أحاديث الشيعة، السيد االبروجردي، ج21، ص293

[3] () الدرر السنية، الموسوعة الحديثية، https://dorar.net/hadith/sharh/42204

[4] () بحار الانوار، المجلسي، ج78، ص237