قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ألا أَدُلُّكم على خير أخلاق الدنيا والآخرة؟ تَصِلُ مَن قطعك، وتُعطي مَن حرمك، وتعفو عمَّن ظلمك».

من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) تتضح لنا حقيقة الأخلاق، فهي تظهر عند وضع الإنسان نفسه موضع الاختبار، فما هو هذا الاختبار؟

أخلاقك تظهر حين تُظلَم... هل تعفو؟

وحين تُحرَم... هل تُعطي؟

وحين لا تصلك رحمك... هل تصلها أم تقطعها؟

فإذا نجح الإنسان في هذا الاختبار، فقد طبَّق المبدأ الذي دعت إليه السماء.

وقد سطَّر الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله)، يوم فتح مكة، أروع الأمثلة في العفو؛ إذ إن الكفار والمشركين والمنافقين في مكة أذاقوا النبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين ألوان الأذى والعذاب، فلما فتح النبي (صلى الله عليه وآله) مكة، ودخلها سعد بن عبادة فرحًا بانتصاره على الكفار، قال: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الحرمة»، لكن رسول الله، وهو رسول العفو، نهاه عن ذلك، وقال: «بل اليوم يوم المرحمة، اليوم تُصان الحرمة»، ثم عفا عن الجميع، وقال كلمته المشهورة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

يظن كثير من الناس أن العفو ضياع للحق أو مظهرٌ من مظاهر الضعف، مع أن العفو الحقيقي لا يكون إلا من نفسٍ قوية؛ لأن الشخص الضعيف قد يعجز عن الرد في كثير من الأحيان، أما الشخص القوي فهو الذي يقدر ثم يعفو، راجيًا القربة إلى الله تعالى، قد تسمع أن صديقًا لك اغتابك في أحد المجالس أمام الناس، وأفشى سرًّا لك، وأساء إليك.

هنا تكون أمام أمرين إما أن تردَّ له فعلته، فتغتابه، وتفشي له سرًّا أعظم، وتشهِّر به أمام الناس كما فعل بك، ثم تبرر لنفسك ذلك، وتقول: هو من بدأ، ويجب أن أدافع عن نفسي، أو أن تعفو عنه قربةً إلى الله عز وجل، فتنتصر على غضبك، وعلى شعور الانتقام الذي يثيره الشيطان، قبل أن تنتصر على خصمك.

وهنا تظهر الأخلاق الحقيقية؛ فالعفو يبلغ أرقى صوره عندما تكون غاضبًا، وقادرًا على الرد أضعافًا مضاعفة، لكنك تملك نفسك، وتلجمها، وتوقف نزعة الانتقام والرد، ابتغاء مرضاة الله تعالى، وقد أسَّس أهل البيت (عليهم السلام) قاعدةً أساسيةً في التعامل مع مخالفيهم وأعدائهم، قوامها العفو والإحسان، حتى تحوَّل عدد كبير من ألدِّ أعدائهم إلى مخلصين من أحبائهم والموالين لهم.

كما ورد في الحديث عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنا أهل بيت، مروءتنا العفو عمَّن ظلمنا».

وسيرة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) خير شاهد على ذلك، فقد روي: «إن شاميًّا رآه راكبًا، فجعل يلعنه، والحسن لا يرد، فلما فرغ أقبل الحسن عليه وضحك، وقال: أيها الشيخ، أظنك غريبًا، ولعلك اشتبه عليك الأمر، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعًا أشبعناك، وإن كنت عريانًا كسوناك، وإن كنت محتاجًا أغنيناك، وإن كنت طريدًا آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعود عليك؛ لأن لنا موضعًا رحبًا، وجاهًا عريضًا، ومالًا كثيرًا»، فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: «أشهد أنك خليفة الله في أرضه، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليَّ، والآن أنت أحب خلق الله إليَّ»، فحوَّل رحله إليه، وكان ضيفه حتى ارتحل، وصار معتقدًا بمحبتهم.

وهكذا نرى أن العفو رمز العزة للمؤمن، إذ يملك بيده زمام نفسه، ويعفو عن الناس، فيُصلح بذلك الأفراد والمجتمع بأسره، كما جاء عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام)، قال: «ثلاثٌ لا يزيد الله بهنَّ المرءَ المسلم إلا عزًّا: الصفح عمن ظلمه، وإعطاء من حرمه، وصلة من قطعه».

ومن آثار عفو الإنسان عن أخطاء الآخرين أنه يعود بالنفع على الإنسان نفسه أولًا، فيجعله صاحب نفسٍ مطمئنة بالإيمان، غير مشحونة بالحقد والانتقام، بينما يؤدي التفكير المستمر في الزلات، واستحضار الإساءة مرةً بعد أخرى، إلى إنهاك النفس والقلب، وقد يتحول مع الأيام إلى مرضٍ نفسي يرهق الإنسان من حيث يشعر أو لا يشعر، ولهذا عُدَّ العفو من أسمى أخلاق الدنيا والآخرة، كما أكدت روايات أهل البيت (عليهم السلام).

ولم تقتصر آثار العفو على الجانب الروحي والنفسي فحسب، بل جعلت الروايات له آثارًا تمتد إلى حياة الإنسان نفسها، فقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله): «من كثر عفوه مُدَّ في عمره»؛ لأن الإنسان المتسامح يعيش سلامًا داخليًا يجنبه كثيرًا من التوتر والاضطراب اللذين يستهلكان النفس والعمر معًا.

ومن هنا يتحول العفو إلى سلاحٍ للإصلاح؛ لأنه يوقظ ضمير المسيء، ويدعوه إلى مراجعة نفسه والرجوع والتوبة، ولذلك، عندما شكا رجلٌ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) إساءة بعض من حوله، أرشده بقوله: «اعفُ عنهم تستصلح به قلوبهم»، فكم من قلب أصلحه العفو، وأعاده إلى جادة الصواب، فالذين يملكون أنفسهم عند الغضب، ويقابلون الإساءة بالعفو، والقطيعة بالصلة، والحرمان بالعطاء، يكونون قد أدَّوا الأمانة التي أرادها الله عز وجل منهم في هذه الدنيا، ثم يكون جزاؤهم يوم القيامة مع أهل الفضل الذين مدحهم الله تعالى على رؤوس الخلائق.

فعن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين (عليهما السلام)، قال: سمعتُه يقول: «إذا كان يوم القيامة، جمع الله تبارك وتعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم ينادي منادٍ: أين أهل الفضل؟ قال: فيقوم عنقٌ من الناس، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: وما كان فضلكم؟ فيقولون: كنا نصل من قطعنا، ونعطي من حرمنا، ونعفو عمن ظلمنا»، قال: فيقال لهم: صدقتم، ادخلوا الجنة».

وفي ذلك اليوم المهيب يدرك الإنسان أن عفوه في الحياة الدنيا قد تحول في الآخرة إلى مقامٍ عالٍ، وجنةٍ ورضوانٍ ونعيمٍ أبدي.