عن صحيفة الإندبندنت

أثار جدلٌ متزايد حول "التربية اللطيفة" انقسامًا في المجتمع، حيث انقسم القرّاء بين من يقولون إن قلة القواعد في المنزل تغذّي السلوك السيئ في المدارس، وآخرين يصرّون على أن اتباع نهج أكثر هدوءً واحترامًا يمكن من خلاله تربية أطفال واثقين ومتكاملين.

فبعد تقريرٍ أعدّته شارلوت كريبس، تحدثت فيه إلى مؤلفين وأساتذة يجادلون بأن المشكلة لا تكمن في المدارس، بل في نقص القواعد داخل المنزل، اتفق العديد من القرّاء على أن عدم كفاية الانضباط يغذّي السلوك السيئ، إذ يُمنح الأطفال قدرًا كبيرًا من الحرية في سن مبكرة جدًا، في المقابل، عارض آخرون هذا الرأي بشدة، وشاركوا قصص نجاح عن تربية هادئة ومحترمة أسهمت في تنشئة أطفال واثقين ومتفوقين.

وفيما يلي بعض الآراء:

التربية اللطيفة ليست دائمًا ممتعة

لقد رأيت بنفسي عواقب التربية المتساهلة، وهي ليست سارة، فتحميل الأطفال، الذين لا تزال عقولهم في طور النمو، مسؤولية اتخاذ القرارات لن ينتهي بخير أبدًا، كما لاحظت أن مستواهم الدراسي ليس بالمستوى المطلوب، وأشعر بالأسف الشديد تجاههم؛ لأنهم سيعانون من عواقب إهمال آبائهم في تربيتهم.

 

لا يوجد حل واحد يناسب جميع الأساليب

تكمن المشكلة في أن أسلوبًا واحدًا لا يناسب الجميع، فبعض الأطفال يتقبلون أسلوب التربية اللطيفة، بينما يحتاج آخرون إلى حزم أكبر، ويجب على الوالدين معرفة طفلهم جيدًا وتحديد ما إذا كان يحتاج إلى التربية اللطيفة أم إلى وضع حدود أكثر صرامة.

لكن المعلم مطالب برعاية ثلاثين طفلًا في آنٍ واحد، ونظرًا إلى حاجة بعض الأطفال إلى مزيد من الانضباط أو إلى حدود أوضح، فعليه أن يجعل ذلك معيارًا عامًا ليتمكن الجميع من التعلم، وهذا أمر طبيعي أيضًا؛ فالذين اعتادوا على أساليب التربية المتساهلة قد يعدّون ذلك درسًا في الحياة عندما يكون لديهم معلم صارم، فالعالم الحقيقي ليس متساهلًا.

 

قصة نجاح في التربية اللطيفة

لست متأكدًا من قدرتي على وصف أسلوبي في التربية بدقة، لكن مهما كان تصنيفه فقد أثبت نجاحًا باهرًا، بل فاق توقعاتي، ابني البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا متفوق في جميع المواد، رغم أنه يدرس في منطقة متواضعة. وهو موهوب في الرسم، ويعزف البيانو ببراعة، كما أنه رياضي ممتاز، ولديه معرفة واسعة بالنباتات ويعشق البستنة، كذلك فهو طباخ ماهر، ويتعلم لغتين، ويحرص دائمًا على ترتيب أغراضه وإنجاز واجباته المدرسية دون أن أطلب منه ذلك، أخلاقه رفيعة، ويكره وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا عمومًا، فهو يعشق الموسيقى الكلاسيكية، والعمارة التقليدية، والسيارات الكلاسيكية وغيرها، ولديه مجموعة صغيرة لكنها متماسكة من الأصدقاء، ومع ذلك فهو ليس منطويًا على نفسه، بل محبوب جدًا، ويبدو من ألطف الأشخاص الذين قد تقابلهم.

ويطمح حاليًا إلى الالتحاق بجامعة أكسفورد، لكنه منفتح على تغيير رأيه؛ لأنه متفوق في مجالات عديدة، وأعلم أنني متحيز للغاية هنا، لكنني أعتقد بصدق أنه قد يكون عبقريًا أو على مشارف العبقرية.

نادرًا ما صرخت في وجهه، ولم أضطر إلى رفض طلباته كثيرًا، ولطالما عاملته كشخص ناضج، وكنت أقرأ له وأجري معه حوارات مطولة حول موضوعات علمية شيقة، ومنذ صغره استوعب المعرفة التي شاركتها معه وطوّرها، وهو الآن أفضل مني بكثير في كل ما علمته إياه، من دون أن يقع في الأخطاء التي وقعتُ فيها.

وأعتقد أن معظم الناس سيصفون ما فعلته بأنه "تربية لطيفة"، وبالتأكيد، ومن خلال تجربتي، يمكن أن تنجح هذه الطريقة إذا طُبقت بصورة صحيحة، ولا أرى كيف كان من الممكن أن يفيد التشدد معه أو القسوة عليه بأي شكل من الأشكال.

ومن خلال قراءة بعض التعليقات، يبدو أن المشكلة لا تتعلق بمدى لطف الوالدين في التربية، بل بعدم تفاعلهم الكافي مع أبنائهم، فإذا كان رد فعل الوالد تجاه طفله يقتصر عادةً على توبيخه بسبب تشتيت انتباهه عن هاتفه، فسيعاني الطفل من مشكلات في التفاعل الاجتماعي بغض النظر عن القواعد والحدود التي يضعها الوالد، أما إذا كنت حاضرًا وتتفاعل بنشاط مع طفلك ولا تعامله بإهمال، فسيتعلم سريعًا ألا يكون كذلك، مهما كنت صارمًا.

وأعتقد أن سر تربية طفل حسن السلوك لا يكمن في إجباره على اتباع قواعدك ومعاييرك، بل في مساعدته على وضع قواعده ومعاييره الخاصة، فلا ينبغي أن يتصرف بدافع الخوف من العقاب، بل بدافع الرغبة والاقتناع، وإذا استطعت تحقيق ذلك، تصبح التربية سهلة وممتعة.

 

الآباء والأطفال على حد سواء يعانون من ضغوط

أشعر بالأسف تجاه الآباء والأطفال والمعلمين أيضًا، الذين يبذلون قصارى جهدهم لسد هذه الفجوة، وبدلًا من شراء قطعة ملابس جديدة نرغب بها ولا نحتاج إليها، ثم نشعر بالذنب بعد زوال نشوة الفرح الأولية، فلنذهب إلى الحديقة مع أطفالنا، أو إلى معرض فني أو متحف، ولنتواصل مع العالم بدلًا من هواتفنا، حتى لو بدت فكرة الذهاب إلى معرض فني مملة.

 

الانضباط الحازم والمحب يؤتي ثماره

الانضباط الحازم والمحب هو السبيل الأمثل، فالحب لا يعني تلبية جميع نزوات الأطفال أو السماح لهم بفعل ما يحلو لهم، لقد هددتني ابنتي الصغرى مرة بالاتصال بخط مساعدة الأطفال، فأخبرتها أن الخدمات الاجتماعية قد تتولى رعايتها إذا فعلت ذلك، وأنها قد تنتهي في دور رعاية تضم أطفالًا كثيري المشكلات، والمثير للدهشة أنها لم تكرر ذلك أبدًا، وتخرجت من المدرسة بسجل سلوكي مثالي، ثم حصلت على شهادة البكالوريوس في القانون مع مرتبة الشرف.