في دهاليز الظلمة، ووسط خربةٍ متهالكة، كانت تقطن روحٌ عطرة، بقلبٍ وثيق وجسدٍ أنهكه المرض والأسر، لكنه ظلّ شامخاً لم تُثنه المحن عن كثرة التهجد، ولم يكلّ لسانه قط عن ذكر الله ومناجاته، إنه إمامٌ من سلالة الطهر والإباء، سيد الساجدين وإمام الزاهدين، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، ذلك العابد الذي لم يكتفِ بالصبر، بل ترك للإنسانية إرثاً خالداً يُعرف بـ "الصحيفة السجادية"؛ تلك الصحيفة الكاملة التي تختزل أسمى معاني اليقين، والتقرب إلى الله، والشموخ في وجه الانكسار، ولأن العظماء يدركون قيمة النور، فقد وصف عميد المنبر الحسيني، الدكتور أحمد الوائلي، هذه الصحيفة السجادية بأنها: «كنزٌ من الكنوز، بل هي من أروع الكنوز في كل عطائها»، ولم يكن هذا الوصف مجرد ثناء عابر، بل هو اعتراف بالعمق التربوي والروحي الذي تزخر به أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام)، لا سيما وهو يسطر لنا في دعاء "مكارم الأخلاق" منهجاً متكاملاً لبناء الذات الإنسانية حين يقول:
«اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَنَبِّهْنِي لِذِكْرِكَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِطَاعَتِكَ فِي أَيَّامِ الْمُهْلَةِ، وَانْهَجْ لِي إِلَى مَحَبَّتِكَ سَبِيلاً سَهْلَةً».
إنها كلمات ثلاث تلخص رحلة العبد إلى ربه، وتكشف عن بصيرة نافذة تفكك أسرار النفس الإنسانية:
اليقظة في زمن الذهول:
حين يبتهل الإمام بعبارة «ونبّهني لذكرك في أوقات الغفلة»، فإنه يضع اليد على مواطن الضعف البشري؛ فالإنسان في خضم صراعات الحياة ومشاقها قد تفلت منه مشاعره وتغيب بصيرته، وهنا يأتي المرتجى من رحمة الله وفيض لطفه، بأن يمنح العبد ذلك "التنبيه الإلهي" والتوجيه الروحي الذي يعيده إلى جادة الصواب ويردّ اتجاهه نحو الخالق في أشد لحظات السهو والضياع.
استثمار العمر القصير:
ثم ينتقل الإمام ليصف هذه الحياة الدنيا بوصفٍ دقيق ومؤثر: «في أيّام المهلة»، إنها تلك الأيام المعدودة والقليلة التي نعيشها قبل الارتحال واللحوق بالرفيق الأعلى، لقد سماها "مهلة" لأنها فرصة اختبار مؤقتة، والدعاء هنا هو استنهاض للهمة كي لا تضيع هذه الساعات سدى، بل تُستغل في طاعة الله وصناعة الأثر الطيب.
الطريق الممهد نحو المحبة:
ويختم هذا المقطع بطلب يسير العبارة، عميق الأثر: «وانهج لي إلى محبّتك سبيلاً سهلة»، إنه يتطلع إلى طريقٍ واضحة غير معقدة للوصول إلى العشق الإلهي؛ طريق ممهدة لا تحول بينه وبينها الصوارم (العوائق والشدائد)، لتكون العلاقة بين العبد وربه علاقة حبٍّ منساب تدفع المرء للطاعة برضا وشغف، لا بخوفٍ وجفاء.
ممن هذه الكلمات والمعاني العميق نستلهم إن "الصحيفة السجادية" هي أكثر من مجرد كتاب أدعية؛ إنها وثيقة الحرية الروحية التي صِيغت في عتمة الأسر، ودليلٌ حيّ على أن الجسد وإن أنهكه المرض والقيود، فإن الروح المتصلة بالسماء لا يمكن حظرها أو تصفيدها.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري