لم يعد إغلاق أبواب بيوتنا يعني إدارة الظهر لبيئة الحيّ السكني، فقد ظهرت مسؤولية جديدة نابعة من تنامي الوعي الجمالي لدى المواطن العراقي؛ إذ لم يعد يقبل أن يغلق باب بيته ويترك خلفه شوارع متعبة، ملوّثة، ومشوّهة بصريًا، هذا الإحساس بالانتماء والمسؤولية جعل أبناء المنطقة يدًا واحدة في إعمار بيئتهم المحلية، لتكون أكثر جذبًا للنظافة والجمال.
مساحة للكرامة والذوق العام
في أحد الأحياء السكنية المتوسطة، قرر فالح شطي، وهو موظف متقاعد، أن يبدأ بخطوة بسيطة: تنظيف الرصيف أمام منزله يوميًا، وزراعة بضع شجيرات ظلّ ونباتات زينة محلية تتحمّل المناخ القاسي، لم ينتظر دعمًا رسميًا، ولم يرفع شعارات كبيرة، كان يرى أن الرصيف امتداد لبيته، وأن العناية به جزء من كرامته الشخصية.
بعد أسابيع قليلة، بدأ الجيران يلاحظون الفرق، بدا الشارع أوسع وأنظف وأكثر إشراقًا، شيئًا فشيئًا انضم جارٌ ثانٍ وثالث، وتحول المكان إلى مساحة خضراء صغيرة تزيّنها أشجار الأكاسيا والدفلى والورد الجوري، تجربة فالح لم تكن مشروعًا بيئيًا منظّمًا، لكنها كانت شرارة وعي انتقلت بالعدوى الإيجابية.
وفي حيّ آخر، قادت أم محمد، وهي ربّة بيت، مبادرة جميلة، لاحظت أن الأطفال يفتقرون إلى مساحة آمنة للعب، وأن الساحة الترابية المهملة في نهاية الشارع تحولت إلى مكبّ عشوائي للنفايات، بالتعاون مع عدد من الجارات، بادرت إلى تنظيف المكان، واستخدمت مع سكان الحي إطارات سيارات مستعملة حوّلوها إلى أحواض زرع ملوّنة، وغرسوا فيها نباتات موسمية، لم تصبح الساحة حديقة رسمية، لكنها تحولت إلى فضاء حيّ نظيف وآمن نسبيًا يجتمع فيه الأطفال، والأهم أن السكان شعروا للمرة الأولى بأن لديهم قدرة حقيقية على التغيير.
جداريات ملوّنة
تتكرر هذه النماذج بأشكال متعددة، ففي شارع ضيّق ضمن حيّ قديم، استثمر الأستاذ حسين عادل، وهو معلّم فنون، مهارته الجمالية في رسم جداريات بسيطة على الجدران المتآكلة، مستخدمًا ألوانًا هادئة ورسومات مستوحاة من الطبيعة، لم تكن الجداريات عملًا احترافيًا بقدر ما كانت محاولة لإعادة الاعتبار للمكان.
إلى جانب تنظيف الشارع وزراعة نباتات متسلّقة، غيّرت الرسومات المزاج العام للمكان، أصبح المارّة أكثر حرصًا على النظافة، وأقل ميلًا إلى رمي النفايات، وكأن الجمال فرض احترامه الصامت.
لمسة جمالية
تنمية البيئة خارج المنزل لا تتطلب ميزانيات ضخمة أو مشاريع معقّدة، بقدر ما تحتاج إلى وعي مشترك وشعور بالملكية الجماعية، حين يشعر الفرد أن الشارع يخصّه كما يخصّ بيته، تتغير علاقته به، تبدأ العناية بالتفاصيل الصغيرة: رفع النفايات، إصلاح ما يمكن إصلاحه، زراعة نباتات محلية قليلة الاستهلاك للمياه، ووضع لمسات جمالية بسيطة لا تعيق الحركة ولا تضر بالمصلحة العامة، هذه التفاصيل، على بساطتها، تصنع فرقًا ملموسًا.
يعلّق المواطن أسامة فاهم، الباحث البيئي، على ذلك قائلًا إن العمل البيئي في الأحياء السكنية ينعكس أيضًا على العلاقات الاجتماعية، فالمبادرات المشتركة تفتح باب الحوار بين الجيران، وتعيد بناء جسور الثقة التي تآكلت بفعل العزلة وضغوط الحياة، ويضيف: "في حيّنا السكني الحديث نسبيًا، اتفقتُ مع مجموعة من شباب الحي على تنظيم يوم شهري لتنظيف الشارع وزراعة الأشجار، لم يكن الهدف بيئيًا فقط، بل اجتماعيًا أيضًا، تحوّل اليوم إلى مناسبة للقاء وتبادل الأحاديث، وتعارف السكان الذين كانوا يعيشون جنبًا إلى جنب دون تواصل حقيقي" مؤكدًا أن النظافة هنا لم تعد واجبًا، بل نشاطًا اجتماعيًا يعزّز روح الجماعة.
أما المهندس الزراعي، فيرى أن النباتات تلعب دورًا محوريًا في إنعاش الحيّ السكني، مشيرًا إلى ضرورة اختيار النباتات المحلية التي تتحمّل الظروف المناخية ولا تحتاج إلى عناية مفرطة، لضمان استدامة الجهد، فالأشجار المثمرة، حتى لو كانت محدودة العدد، تضيف بعدًا رمزيًا؛ إذ يشعر السكان بأن الشارع يمنحهم شيئًا بالمقابل، ففي أحد الأحياء زرع السكان أشجارًا مثمرة على امتداد الشارع الفرعي، لم تكن الثمار وفيرة، لكنها خلقت علاقة وجدانية بين الناس والمكان، وجعلت الشارع يبدو كائنًا حيًا لا مجرد ممر اسفلتي.
تنمية روح الجمال بين الأطفال
لا يمكن تجاهل دور الأطفال في هذا السياق، فإشراكهم في حملات التنظيف والزراعة يزرع فيهم قيَمًا بيئية مبكرة، وفي تجربة لافتة، نظّم أحد الآباء نشاطًا أسبوعيًا بسيطًا لأطفال الحي، يتضمن جمع النفايات الخفيفة وسقي النباتات، تحوّل النشاط إلى لعبة جماعية، ومع الوقت أصبح الأطفال أنفسهم يراقبون الشارع ويمنعون أقرانهم من تلويثه، وهكذا خرجت التربية البيئية من حيّز الشعارات إلى الممارسة اليومية.
حين يكون الإصرار عاملًا حاسمًا
في المقابل، تواجه هذه المبادرات تحديات حقيقية، منها غياب الدعم البلدي، وضعف الوعي لدى بعض السكان، وأعمال التخريب أحيانًا، وهي عوامل قد تُحبط الجهود الفردية، إلا أن التجارب الناجحة تشير إلى أن الاستمرارية هي العامل الحاسم، فحين يرى المترددون أن الجهد مستمر والنتائج ملموسة، ينخرطون تدريجيًا، كما أن التنسيق البسيط مع الجهات المحلية، حتى ضمن حدود دنيا، يمكن أن يوفر دعمًا معنويًا أو لوجستيًا يسهم في حماية هذه المبادرات.
ويشير الدكتور فاضل العلي، المختص في علم الاجتماع، إلى أن تحويل الحيّ السكني إلى مساحة جاذبة للجمال والنظافة لا يعني جعله نموذجًا مثاليًا خاليًا من المشكلات، بل يعني إحداث توازن معقول بين الواقع والإمكان، فالجمال هنا ليس ترفًا، بل حاجة نفسية واجتماعية، والأحياء النظيفة والمزروعة تقلّ فيها مظاهر العنف اللفظي والبصري، ويرتفع فيها الإحساس بالأمان، كما تؤكد الدراسات الاجتماعية أن البيئة المنظمة والنظيفة تؤثر إيجابًا في السلوك الفردي والجماعي، وتحدّ من الفوضى والإهمال.
ويضيف أن معظم النماذج الناجحة انطلقت من مبادرات فردية لا من قرارات رسمية، وهذا لا يعفي المؤسسات من مسؤولياتها، لكنه يسلّط الضوء على قوة الفعل المجتمعي، فحين يتحوّل المواطن من متلقٍ سلبي إلى فاعل، تتغير معادلة العلاقة مع المكان، عندها لا يعود الشارع ملكًا مجهول الهوية، بل مساحة مشتركة تستحق العناية والاهتمام.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري