يُحكى أن أبًا كان يُكثر من توجيه ابنه كلما زلّ أو أخطأ، حتى ضاق الابن ذرعًا بتكرار النصيحة، وظنّها قيدًا لا رحمة، وحين أدرك الأب أن الكلمات لم تعد تكفي، قرر أن يُجسّد له المعنى بما تراه العين قبل أن تسمعه الأذن، فاصطحبه إلى باحة البيت، حيث تتوسط الحديقة شجرة باسقة بجذع مائل، وقال له:

انظر يا بني… هذه الشجرة نشأت معوجّة، وحين اشتدّ عودها صار من العسير تقويمها وإعادتها إلى استقامتها كقريناتها، ثم أشار إلى شجيرة صغيرة بمحاذاتها وأضاف: أمّا هذه فقد وُضع إلى جانبها وتدٌ يسندها، فاستقام قوامها قبل أن يشتدّ عودها.

هكذا هي المبادئ في حياة الإنسان؛ في البدايات تكون ليّنة قابلة للتقويم، أمّا إذا تُركت حتى تتجذّر الأخطاء وتترسّخ العادات، فإن إصلاحها يصبح أشدّ وأصعب، لم تكن نصيحة الأب تضييقًا، بل كانت وتدًا يحمي من اعوجاج يصعب إصلاحه لاحقًا.

ولأننا نواكب تقدّم الحضارة، يصبح توجيه الأبناء مهمة شاقّة، لكن ذلك لا يُسقط عن الآباء مسؤوليتهم، بل يضاعفها؛ فهم يدركون أن التربية ليست أمرًا عابرًا، بل بناء طويل الأمد.

غير أن دورة الحياة لا تقف عند حدّ التوجيه والرعاية، فكما يغرس الآباء في أبنائهم القيم المتجذّرة بين الدين والخلق، فإن الأيام تعود لتضع الأبناء في موضع البرّ والرعاية، فمن أحسن الغرس حصد الامتنان، ومن ربّى على الرحمة وجدها تعود إليه أضعافًا.

إن البرّ ليس كلمة عابرة، ولا سلوكًا موسميًا، بل خُلُق دائم يتجلّى في الخدمة؛ فليست القضية واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل وعيٌ أخلاقي بأن من كان وتدًا لاستقامتنا في صغرنا، جديرٌ أن نكون له سندًا في كِبَرِه.

وهكذا تكتمل المعادلة الإنسانية؛ تربيةٌ تقوم على التقويم، وبرٌّ يقوم على الوفاء، وبين الغرس والحصاد تبقى الوصية خالدة.

﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.