ثمة أحكام نصدرها بحق أنفسنا في كل يوم، وقيمٌ نعلّقها على جدران ألسنتنا كأيقوناتٍ مقدسة، ولكنها تظلّ في عُرف الواقع "مع وقف التنفيذ"، نحن كثيراً ما نتقن رصف الكلمات عن الصدق، الوفاء، والشجاعة، ونبني منها مدناً فاضلة في خيالاتنا، غير أن الاختبار الحقيقي ليس في بلاغة القول، بل في مشقة الفعل، فالمبدأ الذي لا يغادر حنجرتك ليصافح يدك في لحظة ضيق، هو مجرد حبرٍ سريّ يتلاشى عند أول مواجهة مع شمس الحقيقة، فهل نحن ما نقوله أمام المرآة، أم نحن ما نفعله حين لا يراقبنا أحد؟
إن المبادئ التي نحملها في دواخلنا تشبه إلى حدٍ كبير حبات البذور؛ فهي تحمل وعداً بالحياة، لكنها تظل حبيسة قشرتها الصلبة ما لم تجد تربة خصبة وصالحة لتنمو فيها، إضافةً إلى أننا نعيش في عصرٍ تضخم فيه القول على حساب الفعل، وأصبحنا بارعين في صياغة "دساتير أخلاقية" شخصية، نخطها بمداد النوايا الحسنة، ثم نتركها معلقة على رفوف الانتظار، وكأننا نمنح أنفسنا صكوك غفرانٍ بمجرد الإيمان بالفضيلة دون ممارستها.
هذا الانفصال بين ضفة "القول" وضفة "التطبيق" هو ما يجعل أخلاقنا حبيسة اللسان فحسب، فما قيمة الشجاعة التي نتغنى بها في رخائنا إذا خذلتنا في أول مواجهة مع الباطل؟ وما نفع الكرم الذي نمدحه في المجالس إذا انقبضت أيدينا عند حاجة السائل؟ إن القيمة الأخلاقية ليست ملكية فكرية نتباهى باقتنائها، بل هي عقد وعهد يجب أن نوقعه مع ضمائرنا في كل صباح، ولا تكتمل شرعيته إلا بختم الواقع.
إن الارتباط بين الإنسان ومبادئه ليس ارتباطاً نظرياً، بل هو اشتباكٌ وجودي، ففي اللحظة التي يطابق فيها المرء قوله بفعله، يولد فيه إنسانٌ جديد، أكثر صلابة واتساقاً مع ذاته، ولعل هذا التناغم هو الذي يمنح الكلمة وزنها، ويجعل للصمت هيبته ووقاره، أما العيش في تلك الفجوة الرمادية، حيث القول في وادٍ والفعل في وادٍ آخر، فإنه يورث شتاتاً في الهوية، ويحول المبادئ إلى أحمال ثقيلة تذكرنا دوماً بما عجزنا عن تحقيقه.
نحن لا نحتاج لمزيدٍ من الخطب العصماء عن النزاهة، بل نحتاج لمواقف بسيطة وصادقة تُحرر أخلاقنا من الأسر، نحتاج أن ندرك أن المبدأ الحقيقي هو ذاك الذي ندفع ثمنه من راحتنا، أو مصالحنا، أو حتى كبريائنا، حينها فقط، تصبح المبادئ هويتنا الحقيقية، لا مجرد زينة لغوية نرتديها في المناسبات.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري