كانت منهمكة في وضع اللمسات الأخيرة على عملٍ فني مصنوع من قماشٍ أسمر، مستخدمةً نوعًا غريبًا من الخيوط، لتكمل ما بدأت بتصميمه من لوحة فنية جميلة كانت مزيجًا من الحياكة والرسم بألوان الأكريليك، تمثل شجرة النبوة وأسماء آل البيت الأطهار (عليهم السلام)، لتكون واحدة من عددٍ كبير من أعمال الحياكة الفنية التي عُلِّقت باهتمام على جدران القسم الذي تعمل فيه.

فكل شيء في قسم الحياكة والسجاد الذي تعمل فيه السيدة هناء عبد الحسين درّاج يوحي بالقدم والأصالة والجمال، ومعظم الأعمال الإبداعية التي تخرج من بين يديها تجسد الأئمة الأطهار (عليهم السلام) برموز ودلالات دينية رائعة، تتداخل فيها مهارات وحِرَف يدوية متنوعة، في مقدمتها الحياكة والخياطة والتطريز والتصميم، إضافةً إلى الرسم وأعمال المرايا والنجارة وغيرها كثير.

هي تتقن كل هذه الأعمال بمهارة عالية، وتستغل ساعات الدوام الطويلة لإنجازها بكل حب وإخلاص، فيمر الوقت سريعًا، كما أن العمل في الأشغال اليدوية – حسب قولها – يمنح راحة نفسية ويُعد طريقة جيدة لتفريغ الطاقة السلبية، خاصة عندما تكون النتائج جميلة ومتميزة، مشيرةً إلى تقارير وأبحاث حديثة تؤكد أن الإنسان يستطيع تفريغ الطاقات السلبية من خلال مزاولة الأعمال اليدوية.

عندما دخلت هناء مضمار الأشغال اليدوية عام (2014)، لم تكن بحاجة إلى تدريبٍ لتطوير مهاراتها؛ فقد جاءت متعلمةً وماهرة، إذ اكتسبت خبرتها من دراستها في معهد المعلمات بأقسامه الفنية المختلفة ودروسه العملية، ومن ثم إكمال دراستها في الكلية التربوية المفتوحة، لينتهي بها المطاف بالعمل في مركز الأشغال اليدوية – قسم الحياكة والسجاد.

هنا حدثتنا عن عملها في هذا القسم، وأكدت أنه متخصص بإنتاج أعمال الحياكة اليدوية التي غالبًا ما تكون أعمالًا فنية بحتة، مثل الأعمال الوطنية والدينية والحسينية التي تقوم في الغالب بتصميمها بنفسها، ليتم عرضها والمشاركة بها في المعارض المتخصصة، وأكثر هذه الأعمال يُنفَّذ على قماش الخيش، وهو قماش يشبه أكياس الرز القديمة، لكنه اليوم يُصنَّع خصيصًا ويحمل هذا الاسم ويُستورد من الصين.

كانت أعمال حياكة السجاد تُنجز سابقًا بالطريقة القديمة باستخدام «النول»، ولأن هذه الآلة التراثية أكل عليها الدهر وشرب، فقد تم الاستعاضة عنها بتقنية أحدث هي «الإبرة الشرقية»، التي تُحدث غرزًا في قماش الخيش وتترك بصماتها على جهتي القماش المراد تحويله إلى عمل فني.

كما عرّفتنا على الخيوط التي تستخدمها في عملها، فقالت: غالبًا ما نستخدم خيطًا يُسمّى «خيط الصياد»، وخيوط الصوف العادية، وخيوط البريسم، والخيوط اللامعة، إضافةً إلى خيط يُسمّى «خيط الريشة» ويبقى اختيار الخيط مرتبطًا بالتصميم، إلا أن الأكثر استخدامًا في هذا النوع من الأعمال هو خيط الصياد لأنه – حسب قولها – «ينفش»، مؤكدةً أن كل تصميم يحتاج إلى خيط مناسب.

وأوردت مصطلحات خاصة بعملها مثل «النفاش» و«التحشا» الذي يكون أشبه بالفروة، وشاهدناها وهي تُشذّب أطراف الخيوط باستخدام المقص بكل مهارة لزيادة الجمالية ومنح العمل الفني وضوحًا وبروزًا أكبر.

ولا يقتصر عمل قسم الحياكة والسجاد على اللوحات الجدارية، بل يتعداه إلى حياكة البُسط التراثية، وحسب المصطلح الجميل الذي سمعته منها «مدايد الجدات»، وخياطة الستائر التراثية «البغداديات» من قماش الخيش، إلى جانب ستائر المضايف وبيوت الشعر التي تُصنع من الأقمشة التراثية التي تغيّر اسمها – حسب قول السيدة هناء – إلى «البويهيمي» وفق التحديث الجديد للمصطلحات.

كما لا تقتصر أعمال الحياكة الفنية في هذا القسم على قماش الخيش فحسب، بل تمتد إلى المرايا التي تُؤطَّر ببعض الزهور المصنوعة من خيوط الحياكة، لتضيف إليها مسحة من الجمال والقدامة، فتذكرنا بمرايا الجدات بألوانها البراقة مثل الأخضر والأحمر، إضافةً إلى ذلك، تمارس منتسبات القسم مهارات أخرى مثل صناعة الإكسسوارات، وعمل المكرميات، وأعمال الحياكة التقليدية باستخدام السنارة والميل وغيرها.

ورغم التعب والمعاناة والدقة اللازمة لإنجاز هذه الأعمال، إلا أن المشكلة في هذا القسم – وفي مركز الأشغال اليدوية بشكل عام – أن جميع هذه الأعمال الفنية ذات القيمة الإبداعية تظل حبيسة جدران المركز؛ فلا تُباع ولا تُشترى، بل تُعرض في معرضين فقط: المعرض السنوي للمركز، والمعرض الحسيني الذي يُقام سنويًا بمشاركة العتبة الحسينية المقدسة، إضافةً إلى بضعة معارض أخرى تكون للعرض فقط.

كما تتكفل هي وزميلتها «أم علي» بشراء ما يحتاجنه من مواد على نفقتهن الخاصة لعدم توفر التخصيصات المالية، وقد يصل الأمر إلى شراء الأخشاب المستخدمة في صنع الإطارات التي تُحيط بالأعمال الفنية.

وقد تمارس مع زميلتها بعض الأعمال التي تزيّنان بها ديكور منزليهما، وقد تشاركان في بعض البازارات بصفة شخصية بأعمال من مالهما الخاص، لا تمت بصلة إلى أعمال المركز، إلا أنهما تؤكدان عدم وجود وقت فراغ في حياتهما حاليًا.

وهي حالياً تهيّئ نفسها للمشاركة في معرض «أثر حسيني» السنوي بعدة أعمال فنية، منها عمل على قماش الخيش يمثل بيعة الإمام علي (عليه السلام)، جسدت فيه اليدين الشريفتين والتاج المبارك، وعمل آخر عن الإمام الكاظم (عليه السلام) كتبت عليه باستخدام الإبرة والخيط «يا صاحب السجدة الطويلة»، مجسدةً قضبان السجن، إلى جانب حياكة سجادة صغيرة وتربة وسبحة، أما أحدث أعمالها فكانت لوحة للإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، تمثل رقعة الكتابة الخاصة بالإمام، ومجسمات لمجموعة من الكتب والمنائر.