يمكن أن نتصوّر في لحظةٍ ما أن العمر يسبقنا، وأن الأعوام تسير بسرعة، كثيرًا ما أسمع من يقول إن الأسبوع وكأنه يوم، وإن الزمن – بحسب اعتقادهم – كالقطار الذي يمرّ في محطاتٍ مليئة بالتجارب والهموم مسرعًا، وأيّ شخصٍ تسأله عن العمر يكون جوابه متشائمًا وحادًا نوعًا ما، وربما منزعجًا من مروره متعجّلًا، وكأنه يقول: لم أفعل شيئًا رغم مرور عامٍ من عمري.
كل ذلك يدور في أذهان المرء دون حسابٍ للمراحل الحقيقية من حياتنا؛ فالعمر جوهرة، وليس أرقامًا في بطاقتنا الشخصية، فكل يومٍ يمرّ هو تجربة، وتفكير، وهواجس لكل المواقف التي تصادفنا، وهو في النهاية محطاتٌ من النضج والتعلّم، وربما الفرح والألم.
والحقيقة التي لا بدّ من إدراكها أن المجتمعات تحكم على الآخرين من خلال أعمارهم الزمنية، لا من خلال خبرتهم وعطائهم، فالنفوس تحيا بالتجارب، والفكر يزدان بالوعي والمعرفة، وبقابليتنا على التكيّف مع كل الأوضاع مهما تغيّرت الظروف، فكثيرًا ما رأيتُ كبارًا في السن يشاركون أبناءهم في مشاريعهم ونشاطهم الفكري، وفي اختياراتهم للحياة والمستقبل، الفارق ليس في السنوات، بل في النظرة والرؤية العميقة للأمور، وتكييفها بما ينسجم مع طاقاتهم وأحلامهم.
ومن خلال تجوالي أرى صورًا رائعة لكبارٍ وكبيراتٍ في السن وهم يمارسون أعمالًا ومهنًا يعدّونها متلازمةً معهم مهما طال بهم العمر، لا يمكنهم التخلّي عنها، ويرون أنهم ما زالوا يحملون حبًا للعمل ومعيشة الأهل، فالتقدّم في السن لا يعني التوقّف عن الطموح؛ فالعمل ضروري بما يتلاءم مع الفكر والهوايات والحاجة، فكم من كبيرٍ في السن لم يترك حبّه وشغفه للاطلاع على ما هو جديد في عوالم متعددة.
كما أن الشباب لا يكتمل إلا بالمسؤولية والنضج، ولعلّ أجمل ما يمكن أن نحتفظ به في كل مرحلة هو الإيمان بأن الحياة لا تزال تمنح فرصًا جديدة لمن يبحث عنها، فحين نكفّ عن مقارنة أعمارنا بغيرنا، وننظر إلى ما أنجزناه وما تعلّمناه، سندرك أن العمر رحلة داخلية، ليس ماضيًا عابرًا ومنسيًا، وأن كل ما نحمله من ثوابت ومتغيرات هو في الحقيقة صفحة نقلبها كل يوم من دستور الزمن، تُقاس بالوعي والتجربة والنضج واليقين بما كتبه الله عز وجل لنا.
وكل عمرٍ له محطةٌ خاصة نتوقف عندها بقياسٍ زمنيٍّ معيّن، ثم نتجاوزها، ليبقى الماضي بكل مضامينه درسًا وعبرة، لا عبئًا يقيّد خطانا.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري