بعض الحكايات تبدأ من لحظة لا ينتبه لها أحد، لحظة صغيرة تختبئ في زاوية الألم ثم تكبر بهدوء حتى تصبح معنى، وهناك أسماء تحمل في داخلها طريقًا كاملًا، طريقًا مشى فوق الخوف والتعب حتى وصل إلى الضوء.

رقية اسمٌ يفتح باب حكايةٍ وُلدت في عمرٍ مبكر، حين وجدت طفلة نفسها أمام تجربة أكبر من سنواتها، ومع الأيام تغيّرت الملامح من الداخل، ونضجت الروح قبل أوانها، حتى صارت التجربة رسالة تمشي معها أينما ذهبت.

في هذا الحوار نحاول الاقتراب من رقية كما هي، بصوتها وتجربتها وذكرياتها، نحاول أن نصغي إلى الحكاية من داخلها، من قلب الطفلة التي عرفت الألم ثم تعلّمت كيف تحوّله إلى أمل، هنا تتكلم رقية عن الطريق الذي عبرته، وعن القوة التي نمت بهدوء، وعن الضوء الذي صار يكبر معها خطوة بعد خطوة.

 

كيف يمكن أن نقترب من حكاية رقية أشكناني ونعرفها كما هي بعيدًا عن الألقاب؟

أنا رقية أشكناني، كنتُ طفلة صغيرة لا يشغلها سوى اللعب وأحلام المدرسة، لكن السرطان جاء فجأة ليأخذني في رحلة لم أكن أتوقعها، رحلة غيّرتني من الداخل قبل الخارج، لم يحوّلني المرض إلى شخصية حزينة، بل حوّلني إلى فتاة ناضجة أقوى مما كنت أتصور، اليوم أحب أن يراني الناس كما أنا: فتاة قوية، واعية، تؤمن برسالتها، تحب أن توعي الأطفال والكبار، وتحاول أن تساعدهم ولو بأبسط شيء.

 

كيف تصفين الرحلة التي عبرتِها من سرير المرض إلى منصّة الأمل؟

حين بدأت رحلتي مع المرض، لم أكن أفهم لماذا يحدث لي هذا، كنت أرى الأجهزة الطبية حولي، وأسمع كلمات كبيرة لا أستوعب معناها، وأشعر بألم جسدي متكرر، مع مرور الوقت، اكتشفت أن الألم الجسدي، رغم صعوبته، يمكن احتماله، أما الألم النفسي فهو الأصعب، حين تنهار النفسية ينهار كل شيء، لذلك تعلّمت أن أحافظ على روحي قبل جسدي، وأن أتمسك بالأمل حتى في أصعب اللحظات.

 

كيف تشرحين ذلك التحوّل الداخلي الذي جعلك قادرة على تحويل التجربة الشخصية إلى رسالة عامة؟

الحمد لله، بعد كل الصعوبات والآلام، رقية اليوم ليست مجرد طفلة نجت من المرض، بل صوت لكل محارب، تغيّرت نظرتي للحياة مئةً وثمانين درجة، أشياء كنت أعتبرها عادية أصبحت اليوم أغلى ما أملك: الأهل، الدراسة، الجلسات العائلية، الضحكات مع الأصدقاء، التجمعات البسيطة… كلها أصبحت كنوزًا حقيقية في عيني، أدركت أن الحياة ليست في الأشياء الكبيرة فقط، بل في التفاصيل الصغيرة التي كنا نمرّ بها دون أن نشعر بقيمتها.

 

ما الحكاية التي تسكن قلبك عن انتقالك من مواجهة المرض في سنوات الطفولة إلى احتضان دورك الإنساني اليوم؟

أكبر درس تعلمته في هذه الرحلة أن الراحة النفسية هي الأساس، كنت أرى تأثير الكلمة الطيبة عليّ، وكيف كانت ترفعني من لحظة ضعف إلى لحظة قوة، وتعلّمت أن الإنسان حين يحيط نفسه بأشخاص يمنحونه طاقة إيجابية يصبح أقوى من أي مرض، وهنا يأتي دور عائلتي.

 

كيف تقرئين موقف عائلتك خلال تلك المراحل؟

أمي… لم تكن مجرد أم، بل كانت أكثر من ذلك، كانت السند، والقوة وقت الضعف، والنور في العتمة، كانت تمسك يدي في كل جلسة علاج، وتبتسم لي رغم خوفها، وتخفي تعبها كي لا أراه، كانت مرافقتي طوال الرحلة، لم تتركني لحظة، من عينيها كنت أستمد الشجاعة، ومن صوتها كنت أستمد الطمأنينة، تعلمت منها أن الحب الحقيقي يظهر في الأفعال، في الصبر، في البقاء رغم التعب.

أبي كان دائمًا سندًا لنا، ثابتًا كالجبل، وجوده في حياتي كان يمنحني شعورًا بالأمان، وإخوتي كانوا الجنود الخفيين في هذه الرحلة؛ كانوا يفتقدوننا في البيت، ويتحملون غيابنا الطويل، ويعيشون القلق بطريقتهم الخاصة، أخي الكبير كان سندًا لي ولأخي الصغير، خاصة أن أخي الصغير تأثر كثيرًا بمرضي، كانوا جميعًا يقاتلون معي بطريقتهم، حتى وإن لم يكونوا داخل غرفة العلاج، لذلك أقول لهم اليوم: شكرًا لأنكم كنتم قوتي حين تعبت.