حين تهدأ الضوضاء من حولكِ، وتنسحب الأصوات إلى زوايا بعيدة، تكتشفين أن في داخلكِ سماءً أخرى لا تقل اتساعًا عن سماء الكون وفي تلك المساحة الصافية بين نبضكِ وأنفاسكِ، يَحدث تلاقٍ خفيّ، يشبه انحناءة غصنٍ على ماء ساكن، أو عبور نسمةٍ خفيفة على صفحة وجهكِ دون أن تريها الطبيعة لا تتكلم كثيرًا، لكنها تُشعرنا، وكذلك الروح، لا تصرخ، لكنها تعرف.
تأمّلي كيف تتخاطر الأشجار في الغابة؛ جذورها متشابكة في العمق، وإن بدت جذوعها متباعدة في العلن، هكذا أيضًا أرواحنا، قد تسكن أجسادًا متفرقة، لكن بينها خيوطًا خفية لا تنقطع، تخاطر الأرواح هو ذلك الإحساس العميق الذي يتجاوز الكلام، أن تشعري بمن تحبين دون رسالة، أن يخطر ببالكِ فجأة فيتصل بكِ، أو تستيقظين من نومكِ وقد رأيتِه في حلمٍ واضح كأنكِ لم تفارقيه، إنه تواصل صامت، ممتزج بهدوء الطبيعة، ينساب في النفس كما ينساب الضوء مع الفجر.
كم مرة شعرتِ بقلبكِ يخفق على غير عادته، لأن روحًا عزيزة اقتربت من روحكِ؟ قد تكون صديقًة قريبًة، أو رفيقة دربٍ شاركتكِ أيامًا ثقيلة وخفيفة، فجأةً، يتسلل إحساس دافئ إلى صدركِ، أو قلقٌ مباغت، فتسألين نفسكِ: ما الذي حدث لها؟ ثم تكتشفين لاحقًا أنه كانت بحاجةٍ إليكِ في تلك اللحظة، أو أنها كانت تفكر بكِ كما كنتِ تفكرين بها، الأرواح حين تألف بعضها، لا تحتاج إلى إشارات ظاهرة؛ يكفيها الصمت.
ثم يأتي الإحساس الأعمق، حين تمتد خيوط التخاطر إلى الأم أو الأب أو الإخوة أو الزوج، كم مرة شعرتِ بحاجة أمكِ إليكِ قبل أن تنطق؟ كم مرة أدركتِ حزن أبيكِ من صمتٍ طويل أو نظرةٍ شاردة؟ فالروابط العائلية ليست مجرد صلة دم، بل صلة روح، فالروح تعرف روحها، وتحس بوجعها وفرحها، قد تشعرين بفرح أخيكِ قبل أن يخبركِ بخبرٍ سعيد، إنها لغة خفية، لا تُدرّس في الكتب، لكنها تعيش في القلوب.
حتى بين الزوجين، حين يصفو الودّ وتخلص النية، تتقارب الأرواح إلى حدٍّ يصعب شرحه، نظرة واحدة قد تغني عن حديث طويل، وصمتٌ مشترك قد يكون أبلغ من كلمات كثيرة.
أما أرواح من غابوا عن حياتنا فلا تنتهي، في ليالي الخميس، أو في ليالي شهر رمضان حين يصفو الجو وتلين القلوب، قد تشعرين بأنهم أقرب مما تظنين، يمر طيف جدتكِ في خيالكِ، تشمين عطرها مع نفحات البخور، وتسمعين في ذاكرتكِ نبرة صوتها وهي تروي الحكايات أو تُسدي النصيحة.
الحنين ليس مجرد ذكرى، بل تواصل، حين تذكرينهم بالدعاء، وتقرئين لهم الفاتحة، تشعرين أن بينكِ وبينهم جسرًا من نورٍ قد تتبادر إلى ذهنكِ أطراف حديثٍ قديم، أو نصيحة سمعتها منهم، فتجدين فيها عزاءً لحاضركِ، كأن أرواحهم تحيط بكِ، تواسيكِ، وتذكّركِ بأن الخير ما زال ممكنًا، ربما لا نراهم بأعيننا، لكن أثرهم في أرواحنا باقٍ، وهذا البقاء نوعٌ من اللقاء.
غير أن أسمى مراتب هذا الإحساس، هو ما يكون بينكِ وبين خالقكِ، هناك، في لحظة سجودٍ صادق، أو دمعةٍ خفية في جوف الليل، تشعرين بقربٍ لا يشبهه قرب إن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، سورة ق، الآية 16.
هذا القرب ليس قرب مسافة، بل قرب عناية ورحمة وإحاطة، كم من مرة همستِ بدعاءٍ في داخلكِ، لم يسمعه أحد، فتحقق بعد حين بطريقةٍ لم تخطر على بالكِ؟ وكم من أمرٍ تأخر عليكِ، فحزنتِ، ثم اكتشفتِ لاحقًا أن في تأخيره خيرًا لم تكوني تعلمينه؟ إن الله يعلم ما يدور في خاطركِ قبل أن تنطقيه، ويعلم ضعفكِ وقوتكِ، خوفكِ ورجاءكِ.
حين تتأملين هذا التلاقِي الخفيّ، تدركين أن حياتكِ ليست مجرد أيام متتابعة، بل شبكة من أرواح تتعانق في الخفاء، روحكِ ليست وحيدة، حتى وإن شعرتِ بالعزلة أحيانًا، هناك من يفكر بكِ، من يدعو لكِ، من يحنّ إليكِ، من ينتظركِ، وهناك قبل كل ذلك وبعده، ربٌّ يسمع نجواكِ، ويعلم حاجتكِ، ويرتب لكِ أموركِ بحكمةٍ قد لا تتضح لكِ فورًا، فالتلاقِي الخفيّ تحت سماء التأمل الصامت ليس وهمًا، بل تجربة تعيشينها كل يوم إن أنصتِّ جيدًا لروحكِ، وحين تضيق بكِ الدنيا تذكري أن أقرب مسافة هي تلك التي بينكِ وبين الله، وأن أصدق تخاطر هو ذاك الذي يكون بين قلبكِ وخالقه، هناك فقط يكتمل اللقاء، وتستقر الروح في سلام.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري