بين جيلٍ صاغته الضرورة وقسوة الميدان، وجيلٍ تُشكّله الرفاهية وخوارزميات الشاشات، تقف الأسرة العربية اليوم أمام تساؤلات وجودية تتجاوز مجرد فجوة الأجيال التقليدية، لم يعد الخلاف يدور حول نمط الملابس أو الموسيقى، بل بات يمسّ جوهر بناء الشخصية ومفاهيم المسؤولية الأخلاقية.
في الماضي، كانت المسؤولية قدرًا يولد مع الطفل في حقول العمل وداخل أروقة الأسر الممتدة، حيث كانت الرقابة المجتمعية الصارمة تضبط إيقاع السلوك، أما اليوم، وفي ظل التربية الحديثة التي ترفع شعار الحوار والاستيعاب، نجد أنفسنا أمام مفارقة محيّرة؛ فبينما يمتلك شبابنا نضجًا معلوماتيًّا هائلًا يسبق أعمارهم، يعانون في الوقت ذاته من هشاشة انفعالية وتأخر في مهارات مواجهة الواقع، وفي هذا الاستطلاع نتباحث مع نخبة من المختصين والأمهات في عمق التغيرات التي طرأت على مجتمعنا:
هل كان الأطفال قديمًا يتحملون المسؤولية أكثر؟ وهل كانت القيم الأخلاقية أقوى؟
شاركنا حازم عباس – مرشد تربوي – قائلًا: "سابقًا كان تحمّل المسؤولية فطريًّا ومرتبطًا بضرورة البقاء؛ فالطفل كان جزءًا أصيلًا من عجلة الإنتاج الأسري، سواء في الحقل أو المتجر أو رعاية الإخوة، مما منحه نضجًا مبكرًا، أما بالنسبة إلى القيم، فالأمر لا يتعلق بقوتها بل بمرجعيتها؛ قديمًا كانت القيم يراقبها المجتمع والحي والأسرة الممتدة، مما جعل الالتزام بها سلوكًا عامًا، أما اليوم، فأصبحت القيم فردية وانتقائية، مما أدى إلى ظهور فجوة في الالتزام السلوكي تجاه الآخرين، رغم تزايد الوعي بالحقوق الشخصية".
هل قلّلت التربية الحديثة من روح الاعتماد على النفس؟ وما أجمل المميزات الموجودة في الجيلين الماضي والحاضر؟ وما تأثير التكنولوجيا على النضوج: هل أصبح نضجًا شكليًّا (رقميًّا)؟
أبدت السيدة سارة حسين – أم وتدريسية في جامعة كربلاء – رأيها قائلةً: "وقعت التربية الحديثة في فخ الحماية الزائدة؛ حيث يسعى الآباء إلى تجنيب أبنائهم الصعوبات التي عاشوها، مما خلق جيلًا يمتلك المعرفة لكنه يفتقر إلى المهارات الحياتية (Soft Skills).
أجمل ما في تربية الماضي هو الوضوح وبساطة الأدوار؛ كان لكل فرد مكانة ومهمة واضحة، مما خلق شعورًا بالانتماء والأمان النفسي.
أما أفضل ميزة في التربية الحديثة فهي الحوار والاستيعاب؛ فالطفل اليوم يُعامَل ككيان مستقل له رأي، مما يعزز الثقة بالنفس والقدرة على التعبير والتفكير النقدي، وهو ما كان غائبًا في الماضي القائم على الطاعة العمياء.
لقد خلقت التكنولوجيا ما يمكن تسميته بالنضوج المعلوماتي المبكر مقابل تأخر النضوج الانفعالي؛ فالشاب اليوم يعرف عن العالم أكثر مما كان يعرفه أجداده، لكنه لا يملك المرونة النفسية لمواجهة إحباطات الواقع، وأصبح النضوج رقميًّا إلى حد كبير؛ إذ يبني الشباب هويات مثالية خلف الشاشات، لكن عند مواجهة التحديات الواقعية (كإدارة منزل أو حل نزاع مباشر) تظهر فجوة كبيرة بين الصورة الرقمية والقدرة العملية».
كيف انعكس استخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي على طبيعة الحوار والتفاعل الأسري؟ وهل أثّر ذلك في مستوى المسؤولية والالتزام داخل الأسرة؟
حدثتنا عليّه هادي علي – أم لأربع بنات – وقالت: "حوّلت الهواتف الذكية المنزل من مساحة للتفاعل إلى فندق للنوم؛ حيث يتواجد أفراد الأسرة جسديًّا في مكان واحد، بينما يغتربون عاطفيًّا في عوالمهم الخاصة، وقد أدى ذلك إلى تآكل المسؤولية الأسرية؛ فالمهمات المنزلية أو الجلسات الحوارية أصبحت تُرى كمقاطعات للمتعة الرقمية، إن غياب الحوار المباشر أضعف القدرة على قراءة لغة الجسد وفهم احتياجات الآخر، مما جعل الالتزام الأسري يبدو وكأنه واجب ثقيل بدلًا من كونه رابطًا عاطفيًّا".
هل وفّرت التكنولوجيا فرصًا لتعزيز الاستقلالية وتحمل المسؤولية، أم أنها عززت الاتكالية والاعتماد على الآخرين؟
كما قالت يسرى صلاح – أم لثلاثة أطفال –: "التكنولوجيا سلاح ذو حدين، لكن في واقعنا المجتمعي الحالي تميل إلى تعزيز الاتكالية المريحة، نعم نرى شبابًا يستخدمون التكنولوجيا للعمل الحر (Freelancing) وبناء مشاريع مستقلة، وهنا تعزز الاستقلالية، لكن في المقابل، سهّلت التكنولوجيا الهروب من الواقع؛ فأصبح من السهل طلب الطعام بضغطة زر، وتفويض المهام للآخرين، والاعتماد على الذكاء الاصطناعي بدلًا من التفكير، لقد وفّرت التكنولوجيا أدوات الاستقلال، لكنها في الغالب استُهلكت لتوفير رفاهية الاتكال".
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري