في قلب كل بيت، تقف الأم كركيزةٍ أساسية تُبنى عليها ملامح الأسرة، لا بكثرة ما تقول، بل بكيفية ما تشعر وتتصرف، فالأم ليست فقط من تُدير شؤون المنزل، بل هي من تصوغ المناخ النفسي الذي ينمو فيه الأبناء، ومن هنا، تصبح السيطرة على الانفعال ليست رفاهية، بل ضرورة تربوية عميقة.
الحياة بطبيعتها لا تخلو من الضغوط والتحديات، خاصة في حياة الأم التي تحمل مسؤوليات متعددة ومتداخلة، وهذا أمر طبيعي، فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، أي في تعبٍ ومعاناة، مما يعني أن التوتر والضغوط ليست استثناءً، بل جزء من طبيعة الحياة.
حين يغلب الانفعال… ماذا يحدث؟
في لحظات التعب والضغط، قد تميل الأم إلى التشنج والانفعال، فترتفع نبرة صوتها، وتشتدّ كلماتها، وربما تُبالغ في رد الفعل على أخطاء بسيطة، هذا الانفعال قد يُفرغ شحنة مؤقتة، لكنه يترك أثرًا عميقًا في نفس الطفل، الذي لا ينسى الشعور بقدر ما ينسى الموقف.
ومن مظاهر هذا التشنج:
1- سرعة الغضب من أمور صغيرة
2- التركيز على الأخطاء وإهمال الإيجابيات
3- القسوة في التوجيه
4- تضخيم المواقف اليومية
هذه السلوكيات لا تُربي طفلًا متزنًا، بل قد تخلق داخله خوفًا أو عنادًا أو انسحابًا.
الاستيعاب بدل الانفعال
حين نتأمل في سيرة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، نجد درسًا عظيمًا لكل أم، ففي موقفٍ مؤلم، حين تسببت جارية بخطأ غير مقصود في وفاة أحد أبنائه، لم يواجهها بالغضب، بل هدّأها واحتواها، لم يُلغِ حزنه، لكنه لم يسمح له أن يتحول إلى قسوة.
هذا الموقف يُعلّمنا أن ضبط النفس لا يعني غياب المشاعر، بل القدرة على توجيهها، وأن الرحمة في لحظة الخطأ قد تكون أبلغ من أي عقاب.
كيف تطبق الأم منهج الاستيعاب في بيتها؟
يمكن تحقيق ذلك عبر خطوات عملية بسيطة:
1- الفهم قبل الحكم
ليس كل خطأ عنادًا أحيانًا يكون الطفل متعبًا، أو مشتتًا، أو لا يعرف الصواب بعد، الفهم يخفف كثيرًا من حدة الغضب.
2-التوقف قبل الرد
لحظة صمت قد تغيّر كل شيء، خذي نفسًا عميقًا قبل أن تتكلمي، واسألي نفسك: هل هذا الموقف يستحق كل هذا الانفعال؟
3-التوجيه بدل التوبيخ
بدل الصراخ، استخدمي الحوار، الطفل يتعلم من التوضيح أكثر مما يتعلم من الخوف.
معالجات عملية لضبط الانفعال
1- قاعدة العشر ثوانٍ: لا تردّي مباشرة
2- إعادة التفكير: بدلاً من (طفلي مزعج) قولي (طفلي يحتاج توجيهًا)
3- تنفيس المشاعر: خصّصي وقتًا لنفسكِ، حتى لو كان بسيطًا
4- طلب الدعم: لا تتحمّلي كل شيء وحدكِ
5- التسامح مع الذات: إن أخطأتِ، تعلّمي ولا تكرري الخطأ
لماذا تنفعل الأم؟
غالبًا ما يكون السبب:
1- الإرهاق الجسدي والنفسي
2- كثرة المسؤوليات
3- التوقعات العالية من النفس
4- غياب التقدير أو الدعم
لذلك، فإن العناية بنفسكِ ليست رفاهية، بل ضرورة، فالأم المتعبة أكثر عرضة للانفعال، والأم المتوازنة أكثر قدرة على الاحتواء.
أثر هدوئكِ على أبنائكِ
الأم الهادئة تزرع في أطفالها:
1- الأمان النفسي
2- الثقة بالنفس
3- القدرة على التعبير
4- مهارة التحكم بالمشاعر
فالأبناء لا يتعلمون من التوجيه فقط، بل من النموذج الذي يرونه يوميًا.
تذكري دائما كل موقف احتويتِه بهدوء، هو درس عميق يتعلمه طفلكِ دون كلمات، وكل لحظة سيطرتِ فيها على انفعالكِ، هي خطوة نحو بناء إنسانٍ أكثر توازنًا، كوني الهدوء الذي يحتاجه بيتكِ، وستجدين أن هذا الهدوء يعود إليكِ أضعافًا في سلوك أبنائكِ وحياتكِ
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري