يمثّل شهر رمضان تحدّيًا خاصًا للمرأة العاملة التي تسعى للتوفيق بين متطلبات العمل، والعبادات الرمضانية، والمسؤوليات المنزلية، والروابط الاجتماعية، إلى جانب الحفاظ على طاقتها الجسدية والنفسية.

وتسلّط مجلة (للقوارير) الضوء على استراتيجيات إدارة الوقت الفعّالة التي تتبنّاها النساء العاملات خلال الشهر الكريم.

الوقت لا يكفي

استهلّت المهندسة زينة الخفاجي حديثها قائلة: "رمضان بالنسبة لي شهر جميل روحيًا، لكنه مُرهق عمليًا؛ حيث أضطر للاستيقاظ مبكرًا لتحضير وجبة السحور، ثم أذهب إلى عملي، وبعد العودة يبدأ سباق المطبخ والبيت، وأكثر ما يُتعبني هو الشعور بأن الوقت لا يكفي لأي شيء، حتى لنفسي".

إفطار صائم

حدثتنا أم رفل (ربة بيت) قائلة: "تتضاعف أعمال البيت في الشهر الفضيل، فأنا من أُجهّز كل شيء بنفسي، بين إفطار وسحور وصناعة الحلويات أو المعجنات وغيرها من الأطباق، وذلك لأن ابنتي الكبيرة طالبة جامعية، ولا يتسنى لها وقت كافٍ لمساعدتي، وإن ساهمت فيقتصر دورها على تحضير الشاي، وترتيب المائدة، وغسل الأطباق".

وأضافت: "على الرغم من المجهود الذي أبذله، حتى في تحضير الخبز، لأن زوجي يفضّل إعداده في البيت ويرفض ابتياعه من الفرن، إلا أنني سعيدة بتجهيز كل شيء بنفسي، ليس لأنه دوري كسيدة بيت فحسب، بل لأن العمل في رمضان له طعم مختلف، لربما بسبب أجر إفطار الصائم".

وختمت حديثها مبتهجة: "أضفتُ أيضًا إلى جدول أعمالي الرمضانية المشاركة في الختمة القرآنية التي تقيمها جارتي في منزلها، تزامنًا مع الشهر المبارك، بحضور غفير من النسوة للتلاوة المباركة بالتناوب، وأنا من بينهن، وهذا أجمل ما بدأتُ بممارسته هذا العام في الشهر الفضيل، والحمد لله على هذه النعمة".

 

تخطيط مسبق

من جانب آخر، شاركتنا مها الشمري (موظفة) تجربتها قائلة: "التخطيط المسبق مهم جدًا لكل شيء، وليس فقط في شهر رمضان، لأن إدارة الوقت ترتبط بكل أولويات حياتنا".

وأضافت:

"بالنسبة إليّ، أبدأ التخطيط لرمضان قبل أسبوعين، حيث أُحضّر قوائم الطعام المُجمّد، وأُعدّ جدولًا أسبوعيًا للمهام التي أبدأ بتحضيرها. إن التخطيط لكل شيء يقلّل من القرارات اليومية ويحفظ الطاقة".

التعاون الأسري

تنقل منى الخالدي، ممرضة وأم لثلاثة أطفال، تجربتها في إدارة الوقت قائلة:

"يُعدّ رمضان فرصة لتعليم الأبناء المشاركة في المسؤوليات؛ إذ نوزّع المهام المنزلية، وهذا يعلّمهم التعاون ويخفّف عني العبء، وهنا يتوفر لدي الوقت الكافي لإتمام مهامي الشخصية بين إدارة البيت والأمور العبادية".

وأضافت: "كما أن العديد من السيدات، وحتى الرجال، يفضّلون تغيير نظام حياتهم في رمضان، حيث ينجزون أعمالهم وعباداتهم ليلًا، ويفضّلون النوم نهارًا، والنهوض بعد الظهيرة بوقت معيّن لتحضير الإفطار، وحتى من يعمل كاسبًا يزاول عمله ليلًا بعد الإفطار بساعة إلى وقت السحر".

أهمية إدارة الوقت

وكان ختام التحقيق مع الاستشارية بتول محمد علي من مركز الإرشاد الأسري التابع للعتبة الحسينية المقدسة، التي حدثتنا قائلة: "يُعدّ شهر رمضان فترة مميّزة تحمل أبعادًا روحية واجتماعية خاصة، لكنه قد يشكّل تحديًا نفسيًا وتربويًا للمرأة العاملة في ظل تعدّد الأدوار والمسؤوليات، ومن هنا تبرز أهمية إدارة الوقت كمهارة أساسية لتحقيق التوازن بين العمل، والأسرة، والعبادة، والصحة النفسية".

وتابعت:

"تتمثّل أولى الاستراتيجيات في التخطيط المسبق، حيث يساعد إعداد جدول يومي مرن يراعي أوقات العمل والعبادات والراحة على تقليل الشعور بالضغط، كما أن تحديد الأولويات يُعدّ أمرًا جوهريًا، فليس كل ما هو مهم عاجلًا، وترتيب المهام وفق أهميتها يسهم في استثمار الطاقة بشكل أفضل، خاصة في فترات الصيام".

وأشارت إلى أن الجانب النفسي ينصح بتجزئة المهام إلى خطوات صغيرة قابلة للإنجاز، مما يعزّز الشعور بعدم الإرهاق الذهني، كما أن تفويض بعض المسؤوليات المنزلية عند الإمكان يخفّف العبء ويقوّي التعاون الأسري، ولا يمكن إغفال أهمية الاهتمام بالذات من خلال تنظيم النوم، والتغذية السليمة، وأخذ فترات قصيرة للراحة الذهنية.

وأكدت بتول على ضرورة إخلاص النية لله تعالى في أداء العمل والواجبات اليومية، إذ تشير الدراسات التربوية إلى أن ربط الجهد بالمعنى والقيم العليا يخفّف الإحساس بالتعب، ويعزّز الشعور بالطمأنينة والرضا الداخلي، فحين تستحضر المرأة العاملة نية العبادة في عملها وخدمتها لأسرتها، يتحوّل الجهد اليومي إلى مصدر راحة نفسية وسكينة، ويغدو شهر رمضان فرصة للتوازن الروحي والنفسي معًا.

وأخيرًا، فإن المرونة والتقبّل عاملان أساسيان، إذ يساعدان المرأة العاملة على التكيّف مع التغيّرات اليومية دون جلد للذات، مما ينعكس إيجابًا على صحتها النفسية وأدائها العام خلال الشهر الكريم.