بين صرير الباب في سَحرِ الكوفة، وهيبة المحراب التي كانت تترقب بزوغ الفجر، انطوت صفحةٌ من أعظم صفحات التاريخ وأكثرِها شجناً، لم يكن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في تلك الليلة مجرد مُصلٍّ يطوي سجادة دنيانا، بل كان الروح التي آن لها أن تتحرر من قيد عالمٍ لم يتسع لعدله، ومن ضيق صدورٍ لم تدرك كُنه علمه.

​في محراب الكوفة، حيث امتزج طُهر السجود بدم الشهادة، انشقّت السماء عن نداءٍ لا يزال يتردد صداه في وجدان الوجود، فلم يكن ضرب الهامةِ مجرد اغتيالٍ لجسد، بل كان محاولةً يائسةً لكسر ميزانِ الحق الذي لم يمل يوماً، واغتيالاً للفقيرِ الذي وجد في عباءة عليٍّ (عليه السلام) دفئه، ولليتيم الذي كان يرى في مسح يده أمان الكون، لقد مضى "أبا تراب" إلى ربه يحمل في جنبيهِ غُربةً طالت، وصبراً "وفي العينِ قذى وفي الحلقِ شجاً"، لكنه اختصر المسافة بين العناء والنعيم بكلمتين كانتـا بمثابة التوقيع الأخير على صكّ الخلود: "فزتُ وربّ الكعبة".

​أيُّ فوزٍ هذا الذي يُعلن والدم ينسلُّ على الشيب الطاهر؟ إنه فوز المبدأ على السيف، وانتصار المظلوم العادل الزاهد الذي لم يترك خلفه درهماً ولا ديناراً، بل ترك نهجاً يضيء عتمة السائلين، وفي وصاياه الأخيرة، تجلت المفاهيم النبوية في أسمى صورها؛ فذاك الذي فلق الهامات في صفين والجمل والنهروان، هو نفسه الذي أوصى بقاتله رفقاً، وكأنَّه (عليه السلام) أراد أن يقول لنا: إنَّ القوة الحقيقية ليست في البطش، بل في أن تملك نفسك عند القدرة، وتظلَّ إنساناً حتى الرمق الأخير.

​رحل أمير المؤمنين (عليه السلام) روحي لتراب مقدمه الفداء، فاكتست الكوفة سواداً لا يزال يظللُ قلوب محبيه، وغاب ذاك الاب العطوف الذي كان يطوفُ في ليل الجوع يحمل جِراب العطايا مجهولاً، ليُعرف بالغياب كما عُرف بالعطاء، إنَّ استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن نهاية لسيرة، بل كان ولادةً لرمزٍ يتجاوز حدود الطوائف والأزمنة والإنسانية جمعاء؛ رمز يخبرنا أنَّ الحقَّ مرٌّ، وأنَّ ثمن الاستقامة قد يكون دماً، لكنه الدم الذي يكتب الحياة لكلّ حرّ يأبى الانكسار.