«فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ».. لم تَكُن هذه الكلمَاتُ مُجرَّدُ جملةٍ عابِرةٍ، بلْ صَرخةً زلزلَت أَركانَ العالمِ الإِسلامي، وسطّرت بمدادٍ من النور معاني تجاوزت حدود اللَّفظِ لتستقرَّ في جوهرِ العقيدة، إنَّها الرسالةُ التي أَثبتت أَنَّ النَّهج القويم هو ذاك الذي يتَّجهُ نحو «رَبِّ الكَعْبَةِ»، الذي جعل بيتهُ الحرامَ بوصلةً لِلإِيمان وملاذاً للمُسلمين.

مِنْ جوفِ الكَعبةِ إِلى مِحرابِ الشَّهادةِ

لقد كان أَميرُ المؤْمنينَ، الإِمام علي ابن أبي طالبٍ (عليهِ السَّلام)، الشَّخصِيَّة الفرِيدة التي بدأَت حياتَهَا في جوفِ الكعبةِ، وختَمتهَا بذِكرِ ربِّ الكعبةِ، هذا الرِّباطُ المقدَّسُ ليس صدفةً، بل هو دليلٌ قاطعٌ على جذُورِ هذه الشَّخصيَّةِ العظِيمةِ، وقيمها التي لم تنحنِ يوماً إِلَّا لِلَّهِ.

حيث في تلك اللَّحظَةِ المفصَليَّةِ، وبينمَا كانتِ الصَّلاةُ تَنسابُ بين شفتَيهِ، وفي رحابِ محرابِ الكوفةِ، تعرَّضَ الإِمامُ لِضربةِ الغدرِ، ونقلاً عن مصادِرَ تاريخيَّةٍ — كما ذكر السَّيِّد هادي المُدرِّسي — فإِنَّ الإِمام (عليهِ السَّلام) ضُربَ وهوب يرفعُ رأْسَهُ من سجدتهِ؛ فما بين السُّجودِ والقيامِ، كان اللِّقاءُ مع القدرِ، فَأَطْلق صيحتهُ الخالدةَ: «قَتَلَنِي ابنُ اليَهوديَّةِ.. فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ».

دلالاتُ الفَوز ورِباطُ المَبدَأ

لِماذَا اختارَ الإِمام كلمةَ «الفَوزِ» في مقامِ القَتلِ؟

الفوزُ الأَسمى: إِنَّ القتلَ في سبيلِ اللهِ عندَ أَميرِ المُؤْمنين هو غايةُ الأَماني، لقد نظر (عليهِ السَّلام) الى كل ما يملِكُ — وآخرهُ روحهُ التي بين جَنبيهِ — على أَنَّهُ أَمانةٌ لِلَّهِ، وبتقدِيمهَا نالَ مَرتبَةَ الفَوزِ الأَبدِيِّ.

رَبُّ الكَعْبَةِ: ذكرُ الكعبَةِ هنا استِحضَارٌ للنَّشأَةِ والمُنتهى، هي البَيتُ الذي ولدَ فيهِ، وهي الميزَانُ الذي يطوفُ حولهُ المؤْمنُون لِيثبِتوا أَنَّ محورَ حياتِهم هو اللهُ وحدهُ، كأَنَّهُ يقولُ: "لقد فُزتُ بالرُّجوعِ إِلى رَبِّ هذا البَيتِ الذي احتضنَ ميلادي".

و ختاما ستبقى هذه الجُملةُ ترِنُّ في مسامعِ التَّارِيخ، تعزِفُ لحنَ الثَّباتِ على العقِيدةِ، وتُعلِّم الأَجيالَ أَنَّ التَّمسُّكَ بالنَّهجِ القويمِ هو المكسبُ الحقيقيُّ، وأَنَّ الموتَ في سبيلِ المبْدأ ليس غياباً، بل هو الفوزُ الأَكبرُ.