يمتاز شهر شعبان بمكانة روحية خاصة في الوجدان الإسلامي، فهو ليس مجرد جسرٍ زمني يسبق شهر رمضان، بل موسم ولاداتٍ مباركة شكّلت محطاتٍ مضيئة في مسيرة الإسلام والإنسان، ولعلّ ما يُعرف بـ(الولادات الشعبانية) يفتح لنا نافذةً للتأمل في القيم التي حملها أصحابها، وكيف تحوّلت سيرتهم إلى منارات هداية عبر الزمن.
ومن الملفت أنّها، من الناحية الاجتماعية، تحوّلت إلى مناسبة لإحياء الروابط الأسرية والمجتمعية، حيث تتجلّى مظاهر الفرح المشوب بالروحانية، من المجالس الدينية إلى الأعمال الخيرية، في رسالةٍ واضحة بأن الفرح في الإسلام ليس انفصالًا عن القيم، بل تعبيرٌ عنها، فتنتشر مظاهر الزينة في إحياء الليالي المباركة في المدن كافة.
لذا تلعب الأسرة دورًا محوريًا في إحياء هذه الولادات، تقول أم محمد، ربّة بيت: (نحرص كل عام على تعريف أطفالنا بمعنى هذه الولادات، نحكي لهم القصص ونربط الفرح بالسلوك الحسن)، هذا التوجّه الأسري يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية تحويل المناسبة إلى أداةٍ تربوية، تتوّج من خلالها المساحة الكبيرة من المسرّات إلى سلوكٍ عقائدي وديني يتّسم بالتعاليم الأخلاقية والسيرة العطرة للولادات المباركة.
ويؤكّد مختصّون في الشأن الديني والاجتماعي أنّ الاحتفاء بهذه المناسبات يسهم في ترسيخ الهوية القيمية لدى الأجيال، خاصة حين تُقدَّم سير الأئمة بوصفهم قدواتٍ عملية في الأخلاق، لا شخصياتٍ تاريخية بعيدة عن واقع الناس.
قلب المناسبة
شهر شعبان لا يمرّ مرورًا عابرًا في المجتمعات الإسلامية، فإلى جانب كونه تمهيدًا روحانيًا لشهر رمضان، فإنّه يحتضن مناسبات ولادة شخصيات شكّلت أعمدة في الوعي الديني والإنساني، تحوّلت من أحداثٍ تاريخية إلى طقوسٍ اجتماعية تعبّر عن الفرح المرتبط بالقيم.
وفي هذا الصدد، يؤكّد الباحث في الشأن الديني د. علي الموسوي أنّ الولادات الشعبانية تمثّل نموذجًا خاصًا للفرح في الثقافة الإسلامية، فهي لا تنفصل عن البعد القيمي، بل ترتبط بسيرٍ جسّدت التضحية والعدل والوفاء، ويضيف أنّ الاحتفاء بولادة الإمام الحسين (عليه السلام)، وأخيه أبي الفضل العباس (عليه السلام)، والإمام السجاد (عليه السلام)، والإمام المهدي (عجل الله فرجه)، هو استحضار لمشاريع أخلاقية حيّة، لا مجرّد مناسبات احتفالية.
من جانبه، يرى الاختصاصي التربوي أ. حسن اللامي أنّ الطفل حين يعيش أجواء الفرح المرتبطة بالقيم، تتشكّل لديه ذاكرة إيجابية للدين، بعيدة عن الترهيب والجمود، ويشير إلى أنّ الولادات الشعبانية فرصة لتعزيز الانتماء والهوية بلغةٍ قريبة من الطفل.
فعل تضامني
في الشارع، تتنوّع مظاهر الاحتفاء بين الزينة، والمواكب، وتوزيع الحلوى، والأنشطة الخيرية، يقول أبو زينب، أحد المتطوّعين في عمل خدمي: (نعتبر هذه الأيام مناسبة للعطاء، فنوزّع الطعام ونقدّم المساعدة للفقراء، لأن الفرح الحقيقي يكتمل حين يصل إلى الآخرين).
ويرى مختصّون اجتماعيون أنّ هذا البعد الخدمي يعكس روح المناسبة، حيث تتحوّل الولادات إلى فعل تضامنٍ اجتماعي، لا مجرّد طقسٍ شكلي.
الأصالة والتجديد
مع تطوّر وسائل التواصل، دخلت الولادات الشعبانية فضاءً جديدًا من الاحتفاء الرقمي، تقول الناشطة الثقافية زهراء عباس: (نحاول تقديم محتوى معرفي مبسّط عن هذه الولادات، خاصة للشباب، بأسلوبٍ عصري يحافظ على الجوهر) إلّا أنّها تحذّر من تفريغ المناسبة من معناها وتحويلها إلى مجرّد استعراض.
رسالة تتجدّد
يتّفق معظم من التقاهم التحقيق على أنّ الولادات الشعبانية تحمل رسالة أمل، تتجسّد خصوصًا في ولادة الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، بوصفها رمزًا للعدل المنتظر، ويؤكّد الباحثون أنّ استحضار هذه المعاني يمنح المجتمع طاقةً روحية في زمن الأزمات.
في المحصّلة، تبقى الولادات الشعبانية أكثر من مناسباتٍ دينية؛ إنّها مساحة يلتقي فيها الفرح بالإيمان، والتاريخ بالواقع، والأسرة بالمجتمع، لتؤكّد أنّ القيم حين يُحتفى بها، تصبح أسلوب حياة.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري