أراد الله أن تكون المرأة طاقةَ نورٍ لا تنطفئ، وبذرةَ تكوينٍ لا تجف، منذ أن بزغ فجر الإنسانية على وجه الأرض، كانت المرأة سرَّ الوجود الإنساني وبذرةَ التكوين الأولى، فهي ليست مجرد نصف المجتمع، بل الركيزةُ الأساسية التي تُنبت النصف الآخر وتُغذّيه بالنور والعاطفة والوعي، إنّ النظر إلى المرأة بعين التبجيل لا ينطلق من عاطفةٍ آنيةٍ أو دعوةٍ إلى مساواةٍ شكلية، بل من إيمانٍ راسخٍ بأن الله تعالى قد جعلها محور البناء الإنساني، وجعل في رحمها سرَّ الحياة، وفي عقلها نورَ التربية، وفي روحها طاقةَ الاستمرار، لقد خُلقت المرأة لتكون حاضنةَ الخلق، وسرَّ التكامل بين الأرض والسماء، فهي التي تُنبت الأجيال وتؤسس في داخلهم قيمَ الخير والعطاء.
ومن يتأمل النصَّ القرآني يجد أن الله تعالى قد اعتنى بالمرأة في مواضع كثيرة، ورفع من شأنها حين جعل قصصها جزءًا من الهداية الربانية، فقد تحدّث عن مريم ابنة عمران بلسان الطهر والاصطفاء: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾،
فجعلها أنموذجاً للصفاء الإنساني والإيمان الخالص.
المرأة هي أول بيئةٍ ينشأ فيها الإنسان؛ ففي رحمها يبدأ التكوين الجسدي والروحي، ومن دفء أنفاسها تتشكل أولى ملامح الطمأنينة، كل ما في الكون يسير وفق قوانين الله، والمرأة جزءٌ من هذا القانون العظيم الذي ينسج خيوط الحياة، فحين تحتضن الأم وليدها لا تمنحه الحليب فقط، بل تمنحه الأمان والهوية والانتماء، وعن طريقها يتعلم الإنسان أولى لغات الوجود: لغةَ الحب، ثمّ تنمو هذه البذرة الصغيرة في أحضان امرأةٍ أخرى، هي المعلّمة التي تمسك بيده ليخطَّ أولَ حروف المعرفة، وترسم على وجهه ملامحَ المستقبل وتزرع فيه الإيمانَ بالقيمة والقدرة.
ولو تأملنا سيرةَ كل ناجحٍ في الحياة، لوجدنا امرأةً في بدايته تمدّه بالنور والإلهام، ليس غريبًا إذًا أن تكون المرأة صانعةَ الإنسان في كل مراحل تكوينه: في الرحم، وفي الطفولة، وفي العلم، وفي المجتمع.
أما حين نتحدث عن التنمية، فإننا لا نتحدث عن الأبنية والاقتصاد فقط، بل عن تنمية الإنسان ذاته، وبناء منظومةٍ قيميةٍ وروحيةٍ تُحقّق التوازن بين الجسد والعقل، وبين المادة والمعنى، والمرأة هي جوهر هذه التنمية، لأنها تمثل المحور الذي تدور حوله كل عمليات البناء الاجتماعي، فتمكين المرأة ليس شعارًا عصريًا، بل هو إحياءٌ لما أراده الله في المساواة بالكرامة والقدرة والتكليف.
إنّ كل حضارةٍ عظيمةٍ مرّت في التاريخ كان في أساسها نساءٌ صنعن الوعي بصمت، ففي بيت النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، كانت خديجةُ (عليها أفضل الصلاة والسلام) أولَ من آمن به، وأولَ من واساه، وأولَ من دعمه في طريق الرسالة، فكانت النورَ الأول الذي أضاء درب الدعوة، وبعدها كانت فاطمةُ الزهراء (عليها السلام) رمزًا للثبات والعطاء، ومثالًا لكرامة المرأة المؤمنة التي تحمل همَّ الأمة في قلبها.
وفي التاريخ الحديث، نجد أن المرأة حين نالت حقها في التعليم والعمل، ساهمت في بناء الأوطان ورفعت منسوب الوعي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ولا شك أن الأسرة هي اللبنةُ الأولى في هذا البناء، فهي التي تُرسّخ قيمَ المساواة بين الأبناء، وتغرس في نفوس الذكور احترامَ أخواتهم وبناتِ الناس الأخريات، وفي البناتِ الثقةَ بأنفسهن وقدرتهن على تحقيق أحلامهن، حين يقف الأهل مع بناتهم لا ضدّهن، فإنهم لا يحمونهن فحسب، بل يحمون إنسانية المجتمع نفسه من التصدّع، فالتمييز بين الأبناء لا يورث إلا الغيرةَ والكراهيةَ والظلم، بينما المساواة تولّد المحبةَ والعدلَ والاتزان.
مستقبلُ الأمة يبدأ من حضن الأم، فكلّ طفلٍ يتربى على يد امرأةٍ واعيةٍ مؤمنةٍ بحقها وكرامتها، سيكون رجلًا صالحًا أو امرأةً قويةً تسعى لبناء مجتمعٍ متوازن، ونحن في عصرٍ تتسارع فيه التغيرات، يجب أن نعيد النظر في الخطاب الاجتماعي تجاه المرأة، وأن ننتقل من مرحلة الدفاع عنها إلى مرحلة الإيمان بدورها الحيوي في التنمية، فالمرأة ليست عبئًا على الدولة، ولا كائنًا يحتاج إلى وصاية، بل هي الموردُ الأسمى للنهضة، لأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بتكامل العقلين والجهدين، الذكري والأنثوي، في مشروعٍ إنسانيٍّ واحدٍ هدفُه الإعمار.
يمكن القول إن المرأة كانت وما تزال نبعَ النور الإلهي في مسيرة الإنسان؛ منها يبدأ الخلق، وفيها تستقر الرحمة، وبها يُختبر عدلُ المجتمع ووعيه، إنها بذرةُ التكوين التي تستحق أن تُروى بكل الحب والتقدير، لأنها ببساطة تمثل الوجه الإنساني الأجمل للوجود، ومن هنا وجب على الأُسر، وعلى المؤسسات، وعلى الفكر الجمعي، أن يُعيد للمرأة مكانتها التي أرادها الله لها: شريكةً في الخلق، ومصدرًا للنور، وبانيةً للإنسان.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري