لم يخفِ أبي سعادته حين رأى ابنتي ترتدي ثوبًا ارتدته أختي الكبيرة قبل خمسٍ وثلاثين سنة، قائلًا:
"هذا الثوب مناضل من زمن الأورزدي أيباه!"
وبدأ يسرد الذكريات، وكذلك أمي، وكيف أننا جميعًا ارتدينا هذا الثوب، فلكل واحدةٍ منّا كان نصيبٌ فيه حتى وصل الدور اليوم إلى الحفيدات.
وهذا الأمر من عادات العائلة؛ فجدتي كانت تخزّن القطع الجميلة من الملابس وتحافظ عليها للأبناء والبنات، حتى بعض الألعاب، أتذكر جيدًا أننا كنا نلعب ببعض ألعاب خالي عندما كان طفلًا، هذه العادة نمت معنا، وتطوّر الأمر ليشمل حتى بعض الأواني ذات النقوش الجميلة.
هذا التوارث جعلنا اليوم ننتهج المنهج ذاته، فنخزن القطع الجميلة والنظيفة لنتناقلها من أختٍ لأخرى، ومن حفيدٍ لآخر، حتى إننا حين نعود لهذه المخزونات نجد الكثير من الملابس التي تسد حاجتنا من جانب، وتُعدّ "أنتيكة" في المجتمع من جانبٍ آخر.
في مسيرة حياتي مع أخواتي سجّلنا انطباعاتٍ مختلفة حول هذه العادة؛ فالنساء الكبيرات غالبًا ما يمدحن هذا التصرف ويعتبرنه نوعًا من التدبير والنظافة، وهي صفة كانت متوارثة سابقًا في أغلب البيوتات.
ومن جانبٍ آخر، هناك من ينظر نظرة ازدراء للموضوع، ويراه لا يستحق كل هذا العناء، وأن الأجدر هو تجهيز الطفل بملابس جديدة في كل عام، خصوصًا مع كثرة الخيارات المتاحة في الأسواق.
إن فكرة إعادة التدوير ليست خاصة بفئة أو مجتمع أو طبقة معيّنة؛ فقد شاهدنا توجهًا كبيرًا في مواقع التواصل لإعادة ارتداء ملابس الأمهات من قِبل البنات، خصوصًا فساتين الزفاف، حتى في العائلات الملكية، كما بدأت الملابس والأغراض القديمة تُعاد تحت مسمى "الفلكلور"، وشمل الأمر المطاعم والبيوت أيضًا.
هذه الإعادة لها علاقة بالحالة المعنوية أكثر من ارتباطها بالنظرة المادية؛ فعودة الملابس تعيد الذكريات إلى منطقة الأمان التي كانوا يشعرون بها، هذه المحاكاة ليست سوى مناغاة للماضي الجميل بكل أعبائه وجهاده، إلا أن مرحلة النضج التي يصل إليها الفرد تجعل ما مرّ به لا يبدو جهدًا، بل حقيقة كان يجب أن يعيشها.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري