إن الوعي الحقيقي بالنعمة لا يتحقق إلا عندما يدرك الإنسان أن المنغصات والشدائد ليست نقيضًا للنعم، بل وجهها الآخر، وأن في طيّ البلاء لطفًا خفيًا لا يُدرك إلا بالبصيرة، فالمحن والمصائب، على قسوتها، هي التي تفتح في النفس أبوابًا لم تكن تُرى، وتوقظ فيها الطاقات الكامنة التي لا تنبعث إلا بالاحتكاك بالصعاب، تمامًا كما لا يُستخرج الجوهر الثمين إلا إذا صُقل الحجر وخاض التجربة المؤلمة للنحت والاحتكاك، وكثير من الناجحين اتخذوا من كبوتهم سلماً للنجاح بإصرارهم على الاستمرار.
إن الشدائد في جوهرها أدوات إلهية لتزكية النفس وتهذيبها، وتنقية الأخلاق، وصقل الطاقات الخيّرة المودعة في الإنسان، فحين يواجه المرء المصائب بصبر وتأمل، تتبدّل في داخله نظرة الحياة والموت، ويتحوّل ضعفه إلى قوة، وجهله إلى وعي، وتصبح الشدة مدرسة عميقة في فهم الذات وفهم الباري (عز وجل) لذلك كانت الشدائد ألطافًا إلهية في صورة ابتلاء، ورحمة متنكرة في هيئة ألم.
يُثير هذا الفهم سؤالًا مشروعًا: كيف يكون البلاء علامة محبة، والله الرحيم يُحب لعباده الراحة والسكينة؟ الجواب أن الراحة لا تُنبت القوة، ولا تُخرج الجوهر الإنساني من سباته، إن البلاء امتحانٌ ليس لكشف المجهول عند الله، فهو العليم بالسرائر، وإنما هو امتحان تكاملي غايته إخراج ما هو بالقوة إلى الفعل، وما هو كامن إلى الظهور، الله لا يمتحن عبده ليعرف حقيقته، بل ليُنمّي فيه تلك الحقيقة، ويُهيّئه لمرتبة أعلى من الإنسانية، فالشدائد لا تكتفي بأن تكشف جوهر الإنسان، بل تصنع منه إنسانًا جديدًا، أقرب إلى النضج، أصفى روحًا، وأقوى عزيمة.
من هنا نفهم أن المنغصات ليست غضبًا، بل لطف في ثوب سخط، ونعمة تتخفى في مظهر نقمة، هي تربية إلهية تزيل الوهن وتُرهف المشاعر وتشحذ الذكاء، فالذين اختبرتهم الأيام وتقلّبوا في المحن أشد ثباتًا ممن عاشوا في النعيم والترف، يقول الإمام علي (عليه السلام): «ألا وإن الشجرة البرية أصلب عودًا، والنابتة في السهل أرقّ جلودًا»، فالمعاناة تخلق صلابة الروح، وتمنح الإنسان جذورًا تمتد في عمق الوجود، بينما يُضعف الترفُ العزيمة ويُذيب الإرادة.
إن فلسفة الشدائد تكشف عن سنّة كونية في الارتقاء الإنساني: لا كمال بلا معاناة، ولا نضج بلا اصطدام، فالله يمتحن عباده لا ليُعذبهم، بل ليرفعهم، وليتيح لكل نفس أن تبلغ المقام الذي خُلقت له.
إن الابتلاء ليس عقوبة بل تهيئة، ومن فَهِم هذا المعنى صار يرى في كل محنة بابًا إلى منحة، وفي كل ألمٍ تذكيرًا بكرم الله الخفي، وهكذا يصبح وعي النعمة ليس في وفرتها، بل في إدراك معناها حتى في غيابها، فحين يتعلم الإنسان أن يشكر الله على الشدائد كما يشكره على العطايا، يكون قد بلغ أرقى مراتب الوعي، وأعمق درجات الإيمان، لأن النعمة الحقيقية ليست ما يُعطى للإنسان، بل ما يُنبت فيه من وعيٍ وصبرٍ وإيمانٍ بفضل ما يُؤخذ منه.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري