يُعدّ الزواج من أسمى العلاقات الإنسانية التي أقرّها الإسلام وجعلها ميثاقًا غليظًا لبناء الأسرة، التي هي نواة المجتمع، حيث قال تعالى:
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) الروم: 21
وقد أكد النبي (صلى الله عليه وآله) على قدسية هذا الميثاق بقوله: "أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله"، فالزواج في الفكر الإسلامي ليس مجرد علاقة جسدية أو عقد مصلحي، بل هو ارتباط روحي وعقلي وأخلاقي يهدف إلى السكن والمودة والتكامل الإنساني بين الزوجين، ومن هنا جاءت المدونة الجعفرية لتضع إطارًا شرعيًا وقانونيًا يضمن صحة هذا العقد ويصونه من العبث أو الانحراف عن مقاصده الشرعية.
تعريف عقد الزواج في المدونة الجعفرية
عرّفت المادة الأولى من المدونة الجعفرية الزواج بأنه عقد بين الرجل والمرأة تتحقق به علاقة خاصة بينهما، يحلّ بسببها كلٌّ منهما على الآخر.
يُستفاد من هذا التعريف أن عقد الزواج عقد شرعي خاص يختلف عن سائر العقود المدنية كعقد البيع أو الإيجار، لأنه يرتبط بحلّ واستباحة متبادلة بين طرفين مختلفين جنسًا، ويؤسس لبناء الأسرة على أساس المودة والرحمة.
وترفض المدونة رفضًا قاطعًا ما يُروّج له في بعض المجتمعات الغربية من زواج المثليين، وتعتبره شذوذًا وإباحية لا تمتّ إلى الدين أو القيم الإنسانية بصلة.
شروط صحة عقد الزواج في المدونة الجعفرية
حددت المادة الثانية من المدونة سبعة شروط أساسية لانعقاد عقد الزواج وصحته، يمكن تلخيصها كما يأتي:
1- الإيجاب والقبول اللفظيان
يُشترط في صحة العقد وجود إيجاب من أحد الطرفين وقبول من الآخر بلفظ صريح يدل على الرضا، مثل قول الرجل: " زوجتُك نفسي"، وقول المرأة أو وكيلها: "قبلت الزواج".
ولا تكفي الكتابة أو الإشارة إلا في حالة العجز عن النطق، كالأخرس، حينها تكون الإشارة المفهومة بمثابة الإيجاب أو القبول، ويُستعان بمختص يوضح المراد منها.
2- الموالاة بين الإيجاب والقبول
ينبغي أن يقع القبول فور الإيجاب دون فاصل طويل يُعدّ عرفًا قاطعًا للترابط بينهما، لأن العقد لا يتم إلا بتلازم الإيجاب والقبول في مجلس واحد، بعد مرحلة الخطبة التي سبقت العقد وأتاحت للطرفين اتخاذ القرار النهائي.
3- تطابق الإيجاب والقبول
يجب أن يتطابقا في مضمون العقد من حيث المهر والشروط والصفة، فإذا اختلفا لم يصح العقد، وقد أجازت المدونة للطرفين إدراج شروط إضافية في عقد الزواج تُلحق به رسميًا، وهي نقطة تطويرية عن قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة (1959)، إذ أوصت المدونة مجلس القضاء الأعلى بإضافة ملحق خاص لتدوين تلك الشروط المبرمة بين الزوجين.
4- القصد والجدّ في العقد
يشترط أن يكون المتعاقدان قاصدين لإنشاء عقد الزواج حقيقة، فلا عبرة بعقد الهزل أو المزاح أو الخطأ، فالقصد ركن جوهري يميز الزواج الحقيقي عن الصوري، ويترتب عليه آثاره الشرعية من حلّ واستحقاق ونسب.
5- الأهلية: العقل والبلوغ
ينبغي أن يكون العاقدان عاقلين بالغين، لأن الزواج لا يصحّ من مجنون أو صغير غير مميّز، ولم تحدد المدونة سنًّا قانونيًا محددًا، بل اعتمدت معيار البلوغ الشرعي والعقلي، وهو ما يفتح باب النقاش حول التوفيق بين السنّ الشرعي والسنّ القانوني (18 عامًا) المعمول به في بعض التشريعات.
6- رضا الطرفين وعدم الإكراه
من المبادئ القطعية في الفقه الجعفري أن الزواج لا يصحّ بالإكراه، لقول الرسول الأكرم (لا نكاح إلا عن تراضٍ) فلو أُكره أحد الزوجين على القبول بغير رضا، كان العقد باطلًا، والرضا هو أساس التراضي القائم على القناعة والاختيار الحرّ دون ضغط أو إجبار.
7- التنجيز وعدم التعليق
ينبغي أن يكون عقد الزواج منجزًا غير معلّق على شرط أو أمر مستقبلي، فلا يصحّ أن يقول الرجل: " أتزوجك بعد أن أشتري بيتًا، أو بعد تخرّجي من الجامعة"، لأن الزواج لا ينعقد إلا بإنشاء فوري للحلّ والاستباحة، لا على أمر مؤجّل.
وقد تلاحظ بعض التعارض بين هذا الشرط وبين إمكانية إدراج الشروط الخاصة في العقد، إلا أن المدونة اعتبرت التنجيز شرطًا أساسيًا لصحة العقد لا يجوز تجاوزه.
الوكالة في عقد الزواج
أضافت المادة الثالثة من المدونة حكمًا خاصًا بالتوكيل، حيث يجوز لأحد الطرفين أو كليهما أن يوكل غيره في إبرام العقد، كالمأذون الشرعي أو الولي، فيقول مثلاً: "زوجتك موكلتي فلانة على مهرٍ مقداره كذا"
فإذا تجاوز الوكيل ما وُكّل فيه أو خالف الشروط، لم يصح العقد إلا إذا أجازه الموكل لاحقًا، أما إن أُبرم العقد من شخص "فضولي" لا وكالة له، فإنه يكون موقوفًا إلى حين إجازة صاحب الشأن.
إن المدونة الجعفرية في تنظيمها لعقد الزواج جمعت بين الأصالة الفقهية والمقاصد الإنسانية، فجعلت الرضا والعقل والنية أساسًا لصحة العقد، وأكدت على صيغته اللفظية المنجزة حفاظًا على قدسيته، كما أولت أهمية للشروط الخاصة التي تضمن حقوق الزوجين، مما يجعل عقد الزواج في الفقه الجعفري عقدًا شرعيًا متوازنًا يجمع بين روح الشريعة ومتطلبات الحياة الاجتماعية الحديثة.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري