احذروا من كلماتكم، فإن كلمة بإمكانها بناء الإنسان، وكلمة بإمكانها هدم الإنسان، كلمة تُدخلنا الجنة، وكلمة تهوي بنا إلى قعر جهنم، كلمة تبني بيوتنا وتُعمرها، وكلمة تهدم بيوتنا وتفككها، كلمة تُدخلنا في دين الإسلام، وكلمة تُخرجنا منه، وإن الكلمة قادرة على إشعال الحروب.

ومن ذلك تبرز لنا أهمية الكلمة، بأنها سلاح ذو حدين، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: "ألم ترَ كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار" (سورة إبراهيم، الآيات 24-26)

لذلك فإن الإنسان العاقل إما أن يتكلم بعلم أو يسكت بحلم، وتُعد الكلمة ثمرة اللسان وأداة البيان، لأن الله سبحانه وتعالى قد ميّز الإنسان وفضّله عن باقي المخلوقات بنعمة النطق والبيان، فالأجدر بالإنسان أن يعرف قيمة هذه النعمة العظيمة ويستخدمها فيما يرضي الله، فإن استخدمها الإنسان فيما يُرضي الله كانت كلمة طيبة.

والكلمة الطيبة: هي التي تزرع في النفوس الطمأنينة والصفاء، وتؤلف بين القلوب وتصلح النفوس، وتُذهب الهم والحزن والغضب، وتُشعر الإنسان بالسعادة والرضا، وتنشر الألفة والمحبة والمودة بين أفراد المجتمع، والكلمة الطيبة هي خُلق نبينا الكريم وأهل بيته (عليهم السلام).

وكما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "الكلمة الطيبة صدقة".

والكلمة الطيبة ما هي إلا طاقة عظيمة يمكن لكل شخص أن يُعطيها للآخر، إما بشكل إيجابي فتعمل عملها السحري في الارتقاء بالمستمع إلى أعلى درجات السعادة، فهي طاقة دافعة للشخص على التقدم والنجاح والمثابرة، وتُعتبر بمثابة شحنٍ لروح الإنسان.

هذا كله من الآثار السحرية للكلمة الطيبة، وكما قال الله تعالى: "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن، إن الشيطان ينزغ بينهم، إن الشيطان كان للإنسان عدوًّا مبينًا" (سورة الإسراء، آية 53)

وتُعد الكلمة الطيبة هي المبدأ، وهي الشرف والميثاق للإنسان الواعي والساعي للإصلاح.

إن أغلب الأنبياء والمرسلين والأوصياء والصالحين لم يكونوا يمتلكون جيوشًا، أو أموالًا وغيرها مما يساعدهم في أداء رسالتهم من الله عز وجل، ولكنهم كانوا يمتلكون الكلمة الطيبة الصادقة، وكانوا يعرفون قيمتها وأثرها على الإنسان وقدرتها على إحداث الفارق والتغيير.

وقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة في علم الأعصاب، أن تأثير الكلمات على دماغ الإنسان قد يصل إلى خلق مسارات عصبية جديدة (مُقاوِمة للمسارات السلبية) الموجودة، وذلك من خلال تكرار الكلمات الإيجابية بشكل مستمر.

كما أكدت بأن المداومة على الكلمات الإيجابية يثخن القشرة العصبية، بمعنى أنه يزيد من الذكاء، ويخلق طاقة إيجابية في الدماغ وأثرًا شبيهًا بذلك الذي يُخلّفه تناول السكر أو العسل، فيتعدل مزاج الإنسان ويُقبل على الحياة بسلوك إيجابي.

وإن أثر كلمة طيبة من شخص كبير، أو من الأب أو الأم، فإن هذه الكلمة تفعل فعلها العجيب في الطفل من تطور وتقدم، ولا يمكنه نسيانها طيلة حياته، بل تدفعه للتطور والتقدم، وحتى عندما يكبر، يتذكر هذه الكلمة ويُعلّمها لأولاده، ويتبع نفس الطريقة والأسلوب في التربية.

وعلى العكس من ذلك، الكلمة الجارحة السلبية تهدم روحه وتُعيقه عن التطور، بل تجعله يتراجع شيئًا فشيئًا، وهذا التأثير لا ينطبق فقط على الطفل، بل يشمل الصغير والكبير، كما أكدت الدراسات الحديثة من علماء النفس.

 

وقد قدم علماء النفس دراسات وأبحاثًا عجيبة، منها أن الكلمات الجارحة سُميت جارحة لأنها تُسبب جروحًا حقيقية في الدماغ، وتُميت عدة خلايا أو تُتلف عملها، مسببة نوعًا من العطل في التفكير، ولهذا يعاني الشخص المجروح بكلمات سلبية من آلام نفسية وشعور سلبي وإحباط كبير، وكثيرًا ما يتحول هذا الشخص إلى إنسان فاشل وغير منتج مع الأسف.

فنلاحظ أن الكلمة من أقوى أسلحة العصر، وهل يفصل بين الحق والباطل إلا كلمة؟! فالكلمات إما غيث أو رماح، فيجب علينا انتقاؤها قبل أن ننطق بها.

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: "لا يُحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم" (سورة النساء، آية 148)

أي أن هذا الفعل يمقته الله تعالى ويعاقب عليه، وقد وردت آية قرآنية صريحة في سورة (ق) تحث على حفظ اللسان، قال الله سبحانه وتعالى: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"

أي لا ينطق الإنسان بكلمة إلا ويكون عليها ملك يراقبها ويكتبها في صحيفته، مما يدل على ضرورة توخي الحذر في الكلام.

وقد أكد سيد المتكلمين والمتحدثين، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، على أهمية الكلمة وقوتها، مشددًا على أن الكلمة قبل أن تنطق بها تكون ملكك، فإن نطقت بها فقد تملكك.

ودعا إلى حفظ اللسان كما يحفظ الإنسان ماله، لأن كلمة واحدة يمكن أن تسلب نعمة، كما بيّن أن بلاء الإنسان في لسانه، فلا ينبغي للعاقل أن يتكلم بما لا ينفعه، وأن قيمة المرء بما يُحسنه من قول وفعل.

فقال (عليه السلام): "احفظ لسانك، فإن الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، فإن أطلقها صار أسيرًا في وثاقها"، وقال أيضًا: "الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فإذا تكلمت به صرت في وثاقه".

وقد أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) الذين لا يملكون ألسنتهم بقلة الكلام، حيث قال: "قلة الكلام تستر العوار وتؤمن العثار"، وقال: "من علم أنه مؤاخذٌ بقوله فليُقصر في المقال".

وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن أحد أصحابه سأله:

يا رسول الله، هل نحن مؤاخذون بما نتكلم؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: "وهل يُكبّ الناس على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟"

وقال أيضًا: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".

صدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي هذا المجال، نجد في كتبنا العربية الكثير من الحكم التي تدعو لحفظ اللسان عن الكلام الجارح، ومن أجملها:

قال أحد الحكماء: "خلق الله للإنسان لسانًا واحدًا وأذنين اثنتين، لكي يسمع أكثر مما يتكلم".

وقيل: "الكلام كالدواء، إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل".

وجاء في رواية أن لقمان الحكيم قال واعظًا:

"إن من الكلام ما هو أشد من الحجر في وقعه، وأنفذ من وخز الإبر، وأمرّ من الصبر، وأحرّ من الجمر".

وختامًا، من الضروري عدم الاستهانة أبدًا بأثر الكلمة الطيبة، فالإنسان يتأثر كثيرًا بما يسمع.

فإن سمع كلمة طيبة، ظهر أثرها على قلبه وجوارحه.

فالكلمة قادرة على أن تُحيي إنسانًا، وتُخرجه من عزلته، وتُعطيه سببًا كي يحيا من أجله.

الكلمة الطيبة مفتاح القلوب، تُطفئ نيران العداوة والبغضاء، وتُريح النفوس وتؤلف بينها، وأحيانًا تملك عقول الناس ومشاعرهم، فهي صالحة لكل زمان ومكان، ويحتاجها الطفل، والطالب، والأم، والأب، والزوجة، كما يحتاجها الموظف، والمدير، والمسؤول، والمعلم، والمتعلم، والغني، والفقير.

والناس متعطشون للكلمة الطيبة، في أي منصب كانوا، لأن الكلام الجميل يصل إلى القلوب بدون واسطة وبدون استئذان.

 

قال تعالى:" ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك"

فالكلمة الطيبة والمنطق الجميل مفتاح القلوب والعقول، ومن يملكها تُفتح له أبواب كثيرة من الخير.