في كل الأحوال، ومع بدايات البلوغ، تشعر الأم بالخوف على أبنائها، وتبدأ الأحاسيس ترسم صور القلق والتساؤل عن ماهية هذا العمر المخيف بسلوكياتهم ومتطلباتهم، أدركتُ ذلك حينما بلغت ابنتي الرابعة عشرة من العمر، وأيقنتُ أن زرع الثقة فيما بيننا هو أهم البدايات وأحلى النهايات، وأنه مع تربيتها الجيدة لا بد من التقارب معها وسبر أغوار تفكيرها، الذي حتمًا سيكون مختلفًا الآن.
كل ما كنت ألاحظه كان يبني أمتارًا من جسور الثقة والطمأنينة التي يحتاجها كل بيت فيه أبناء مقبلون على مراحلهم المتعددة.
تبقى الثقة بين أفراد كل بيت هي الدعامة التي تحدد قوة العلاقة أو تزعزعها، قد تُبنى البيوت على جدران هشة، غير آبهين بما يدور حولهم من تغييرات طبيعية لأبنائهم، فيعيشون حالة الإهمال واللامبالاة، فتحدث العواقب التي لا تُحمد عقباها مستقبلاً.
فكل أدوات التربية لا تستقيم إلا على اليقين الذي يمنح الطمأنينة والراحة للأبناء، ويعينهم على المرور بسلام في مراحلهم المتعددة، بفضل الصدق والأمان فيما بينهم.
مررتُ بقصة أم كانت تخشى على ابنتها المراهقة من صديقاتها، ومن الهاتف والإنترنت، كانت تفتش حقيبتها خلسة، وتتفقد رسائلها، وتظن أنها بذلك تحميها، بيد أن النتيجة جاءت عكسية؛ فالفتاة شعرت بأنها متهمة طوال الوقت، فبدأت تُخفي أسرارها وتبتعد عن أمها شيئًا فشيئًا، فالثقة لا تُمنَح بالرقابة، بل بالاحتواء، وتُبنى على الحوار، حيث يشعر الابن أو الابنة أن صوتهم مسموع، وأن مشكلاتهم يمكن أن تُناقش بلا خوف.
لا يمكن أن يطلب الأب الصدق وهو يخالفه أمام أبنائه، وكذلك الاحترام المتبادل؛ فالطفل الذي يحظى بالاحترام ينشأ وهو يحترم والديه ونظام البيت، وكل ذلك يُبنى بالثقة والمحبة.
ومع مرور الوقت، تتحول هذه الممارسات البسيطة إلى رصيد من الطمأنينة والراحة النفسية، وبذلك يلجأ الابن إلى أسرته عند الأزمات، لا أن يهرب منها، ويطمئن لحلول كل مشكلة يواجهها بفضل وجود أسرة متفهمة ومحتوية لما يمرون به من تداعيات.
فكل ما يجعل الأمور هادئة هو يد كريمة تحنو على أكتاف أبنائها بعطف ورويّة، الأسرة التي تفقد الثقة تتحول إلى بيت بلا دفء، مليء بالأسئلة الخفية والشكوك، أما حين تكون الثقة متبادلة، فإنها تصبح جسر عبور آمن للأبناء نحو مجتمع أوسع، قادرين على مواجهة الحياة بثبات وأمان.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري