بلا شكّ أنّ للإنسان ولادتين: ولادته الحتميّة وهي مجيئه إلى الدنيا، وولادة معرفيّة ينهض فيها مستواه الفكري، وهي ما يكتسبه من المحيط الذي يعيش فيه، إذ يتّسع المحيط الذي تتحرّك فيه الأسئلة؛ فبعد أن يكون سؤال الطفل مقتصرًا على أسرته، يتلاقى سؤاله مع أسئلة أصدقاء جدد من أسر مختلفة ومتعدّدة.
فلا شيء يوقظ دهشتنا مثل سؤال طفل بريء يطرحه بملامح فضول لا تعرف التكلّف، قد يسأل: لماذا نموت؟ أو أين كان الله قبل أن يخلق العالم؟ أو لماذا لا نرى الهواء إذا كان يملأ المكان؟ أسئلة صغيرة في ظاهرها، لكنها في جوهرها تمسّ أعماق الفلسفة التي حيّرت الكبار منذ آلاف السنين.
الطفل لا يتردّد في إطلاق السؤال، لأن عقله ما زال متحرّرًا من قيود الخوف من الخطأ أو الاتهام بالسذاجة، هو يعيش الدهشة الأولى التي تحدّث عنها الفلاسفة: دهشة الاكتشاف التي تفتح أبواب التفكير، لكنّ المأزق يبدأ عند الكبار، عند المعلّم أو الوالد، حين يواجهون سؤالًا لا يملكون له إجابة جاهزة أو يقينًا مطلقًا، فيلجأ البعض أحيانًا إلى التهرّب، أو إلى إجابة سطحية تقطع خيط الفضول، وكأنّ الغاية إسكات السؤال لا إشعال الفكر.
تلك الأفكار يجادلها الطفل ويفكّك بنيتها وينقد محتوياتها ويقدّم بدائل إن استطاع إلى ذلك سبيلًا، لتشكيل خميرة معرفيّة تخدم ما يشغل تفكيره وبحثه.
ورؤية طفل على درجة من الوعي هنا أو هناك يسأل سؤالًا، لا تعني أنّ كلّ الأطفال على السويّة ذاتها، فإنّ أسئلة الأطفال في عمومها أسئلة غير واعية، أو ناتجة بالأحرى عن خبرات إنسانية غير واعية بالدرجة الأولى، فالطفل لا يبني معرفته بطريقة منظّمة تبدأ من أفكار محدّدة وتنتهي بنتائج واضحة، بل يكتسب خبراته بشكل عفوي.
قد يسأل الطفل ـ وهذا يحدث كثيرًا ـ سؤالًا على غاية من الأهميّة، لكن هذا السؤال قد يموت في اللحظة ذاتها، وذلك رهين بالطريقة التي يُستقبل بها من محيطه، فإذا قوبل سؤاله بإيجابية ووجد الردّ الشافي، اندفع إلى حالة من الشغف والاكتشاف وزيادة في الوعي والإدراك، وإذا لم يجد ذلك الجواب الذي يرضي فضوله وفلسفته، يبقى في دائرة مغلقة من تشظّي الأفكار، لأنّ الطفل الذي يسأل مثل هذه الأسئلة المعرفية هو طفل مختلف وذكي بالفطرة.
وللأسف قد يواجه الطفل بردّ مجحف أو غير مقنع، وقد تُدمَّر أسئلة الأطفال وتحوَّل شغفها غير الواعي وغير الزماني إلى نوع من العار الاجتماعي يسعى للتكفير عنه زمنًا طويلًا، فالطفل في اللحظة التي يسأل فيها سؤالًا ويجد أنّ محيطه الأسري قد أنَّبه وزجره؛ يُحطَّم بذلك مشروع إنسان متفلسف، أو في طريقه إلى التفلسف المستقبلي، ويُبقى ضمن دائرة الناس كما تفرزهم مثل هذه المجتمعات: أناس بسمات عقلية متشابهة إلى درجة انعدام أي إبداع.
إنّ صعوبة التفسير أمام أسئلة الأطفال تكشف حقيقة عميقة: نحن نعيش يوميًا مع مسلّمات لم نجرؤ على مساءلتها، بينما يأتي الطفل ليضعها في الميزان ببساطة مذهلة، ولعلّ التربية الحقيقية لا تكمن في إمداد الطفل بإجابات جاهزة، بل في مرافقة دهشته وتعليمه كيف يحوّل السؤال إلى رحلة بحث، لا إلى جدار مسدود.
من هنا، يصبح "الطفل المتفلسف" نعمة للمجتمع، لأنه يذكّر الكبار بأنّ التفكير لا يتوقّف عند الكتب المدرسية أو ما اعتدنا ترديده، بل يبدأ من لحظة دهشة، ومن سؤال يجرّ وراءه أسئلة أخرى.
إنّنا حين نصغي إلى فلسفة الأطفال، لا نمنحهم فقط حقّهم في التساؤل، بل نعيد إلى أنفسنا القدرة على الحيرة، تلك الشرارة الأولى التي بغيرها لا يولد أي تفكير عميق ولا أي إبداع إنساني، فالطفل في اللحظة التي يسأل فيها سؤالًا ويجد له صدى إيجابيًّا لدى محيطه الأسري، يكون أكثر من طفل على مستوى الوعي، وأقلّ من فيلسوف على مستوى الزمن.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري