بينما يسعى الإنسان إلى ضبط المسافة والانتباه في الطريق لتفادي الحوادث المرورية التي تسببها السرعة، فإنَّ من أكبر أسباب الحوادث عدم ترك مسافة كافية بين السيارة والأخرى أمامها أو خلفها، فالاقتراب الشديد يُفقد السائق القدرة على السيطرة ولا يمنحه فرصة للتصرف في المواقف الطارئة.

ولو افترضنا أن هذه المسافة هي حياة الإنسان الاجتماعية، فكيف يمكنه أن يترك مسافة آمنة بينه وبين الآخرين؟

عادةً ما نجد عبارات تحث على عدم الازدحام الشديد، ولا سيما في الأماكن العامة، حيث يُنصح دائماً بترك مسافة كافية بيننا وبين الآخرين من الناحية الصحية، بعيداً عن العدوى والوقاية، وكذلك من ناحية السلامة لتفادي خطر السقوط، لذا توضع علامات للتنبيه.

لكن ماذا لو كانت هذه العلامة موجودة في حياة الإنسان بشكل يومي؟

حتى في عالم الطبيعة، فإن الاقتراب الشديد قد يؤذي وأحياناً يُهلك الإنسان، فرؤيتك للبحر من بعيد أجمل بكثير من الغوص فيه، كما يُقال، وكذلك القمر الذي تغنى به الشعراء والكتاب، عندما نقترب منه نكتشف حجارة ومساحات مظلمة لا تظهر من بعيد.

إذن، الاقتراب المفرط من الأشياء قد يحرق الإنسان، فكيف يحمي نفسه؟

يؤكد علماء النفس على ما يسمى بذكاء المسافة في الحياة الاجتماعية، ومن أبرز خطواته:

1. رسم الحدود بوضوح وصراحة للآخرين، وتبيين ما هو مسموح وما هو ممنوع.

2. تحديد مواعيد وأوقات الاتصال.

3. توضيح الأمور التي لا تفضل الحديث عنها مثل العائلة أو الراتب.

ولو بحثنا في حياتنا اليومية لوجدنا أن كثيراً من الخلافات العائلية والاجتماعية أصلها الاقتراب الزائد، وإباحة كل شيء دون حدود أو خطوط تحفظ العلاقة.

إن احترام حدود الآخرين ومسافاتهم يجعلك في طريق آمن: لا تقترب ما لم يسمحوا، ولا تجعل من نفسك استثناءً لمعرفة التفاصيل عن حياتهم عبر الترجي أو الاستعطاف أو البحث.

 

حيث أن مراعاة المسافات وعدم تجاوز الحدود يمنحك حياة سعيدة ملؤها المودة والاستقرار النفسي والاجتماعي مع من حولك، فقليل من المسافات والحواجز يجعلك تشعر بقيمتك وكيانك وحقوقك الإنسانية، ومن أكثر أسباب فشل العلاقات الاجتماعية والعائلية إلغاء المسافات، اعتقاداً أن ذلك يُحسن العلاقة ويطورها، لكن العكس هو الصحيح، فالمساحة الشخصية التي تحيط بالإنسان تعد مملكته الخاصة، وغالباً ما يصيب البعض حالة من الذعر حالما يتخطى الآخرون تلك المساحة.