"وَأمّــا حَقُّ الشَّرِيكِ، فَإنْ غَابَ كَفَيْتَهُ، وَإنْ حَضَرَ سَاويْتَهُ، ولا تَعْزِمْ عَلَى حُكْمِكَ دُونَ حُكْمِهِ، وَلا تَعمَلْ برَأْيكَ دُونَ مُناظَرَتهِ، وتَحْفَظُ عَلَيْهِ مَالَهُ, وَتنْفِي عَنْهُ خِيَانتَهُ فِيمَـا عَزَّ أَو هَانَ فَإنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ يَدَ اللهِ عَلَى الشَّرِيـكَيْنِ مَا لَمْ يَتَخاوَنا ولا قُوَّةَ إلا باللهِ".

يتخذ مفهوم الشراكة أوجها كثيرة, ويبدأ أحيانا في فترات مبكرة جدا؛ لكن ليس بالمعنى الدقيق, فقد يشارك الطفل لعبته مع طفل آخر, أو يقاسمه حاجة معينة, ويتصاعد هذا المعنى شيئا فشيئا ليتعمق أكثر في وجدان الانسان, حتى يكون لدى كثيرين مبدأ ومنهجا لا يحتاج لعهود ومواثيق مكتوبة, لكن قد يتعذر على بعض الأشخاص استيعاب هذا المبدأ بشروطه وتحدث نزاعات تفضي إلى فسخ الشراكة سواء كانت مادية أم معنوية.

الأمانة بذرة الشراكة

لم يترك الإمام السجاد (عليه السلام) في منظومته الأخلاقية (رسالة الحقوق) حقا لم يتناول فيه بشيء من التفصيل والتوضيح كيفية التعامل مع كل حق, وما جاء في مستهل حق الشريك هو "إن غاب كفيته...", هنا يبذر الإمام (عليه السلام) بذرة الأمانة التي هي أساس الشراكة ومن دونها لن تثمر عن أرباح!

فحينما يؤسس الشريكين لأي عمل فهما بالطبع لن يكونا حاضرين في كل تفاصيل التنفيذ؛ لذلك يحتاج العمل لقدر عالٍ من الثقة والأمانة ليطمئن الطرف الآخر ويحفظ العهد بدوره وتكون الثقة متبادلة فيما بينهما حتى لو زاد عدد الشركاء.. طالما الأسس مغروسة في ارض صالحة للوفاء والالتزام فلا يوجد ما يهدد عمل الشركاء خصوصا أن تم قراءة هذا الحق بعمق وبنية خالصة لله.

في الربح والخسارة

أن أكثر ما يعكر صفو الشركاء ويقودهم إلى الخصومة ومن ثم الفُرقة هي الخسارة, فطبيعة الانسان لا تتقبل الخسارة بكل اشكالها وكأنه مخلوق نهم وجد في هذه الحياة ليربح فقط, بينما الحقيقة غير ذلك, فالله عز وجل جعل لكل انسان قدرا ورزقا مقسوما من العافية والمال والذرية والأصدقاء وكل نعم الدنيا, وقد تزول هذه النعم أو تقل لسبب الله يعلمه؛ لذا فخسارة أي شيء واردة, وفي مسألة الشريك قد يقع الانسان ضحية طمعه ويتقبل مقاسمة الربح مع شريكه لكنه يتنحى في الخسارة ليحملها عليه وحده... وهنا من المفترض أن يعتمد الشركاء مبدأ المتابعة وفق "لا تعمل برأيك دون مناظرته" فمراقبة تطور العمل والحسابات اليومية تجنب التخوين وتقوض مسألة تحميل الخسارات على طرف دون آخر, وتلغي الأنانية في العمل؛ لأنها ستذكر جميع الأطراف دائما أن كل عمل يتأرجح بين كفتي الربح والخسارة.

يد الله على الشريكين

نشأت فكرة الشراكة في الأصل لتأسيس المشاريع التي لا يمكن أن تنطلق بجهد فردي "يد الله على الشريكين..." وعليه فإن العمل الجماعي أو العمل المتكون من رؤوس أموال متعددة يكون مباركا, هذا إذا كنا نتحدث فقط عن الأعمال التي تدر أرباحا مادية, لكن هناك أعمالا كثيرة تعتمد نظام الشراكة ألا إنها مشاريع معنوية انسانية لا تدر نفعا ماديا بل ارباحها تتخذ صيغة الثواب والأجر كالنشاطات الخيرية والجمعيات الانسانية وبعض منظمات المجتمع المدني, فهذه المؤسسات سواء كانت صغيرة أم كبيرة من حيث طبيعة عملها وتغطيتها لأكبر عدد من المستفيدين.. قائمة على فكرة التعاون والشراكة, فلا يمكن أن يقدر لها النجاح من دون تظافر للجهود وتعاون حقيقي وكلما زاد عدد الشركاء والداعمين لهذه الأعمال سواء على المستوى المادي أو المعنوي كلما تنامى الأجر وعم الخير المنشود من العمل المشترك.
إيمان كاظم

gate.attachment