بين خيوط التطريز وملمس المعجون والزجاج الناعم، تبرز أنامل فنانة تعيد تعريف الجمال بطريقتها الخاصة؛ فهي لا ترسم اللوحة بالألوان فحسب، بل تحيكها بالإحساس، وتطعّمها بقطعٍ من الروح.

رسل جاسم، فنانة في عقدها العشرين، امتزجت هوايتها الفنية بالإبداع اليدوي، فقدمت أعمالًا تحمل بصمة خاصة ومتفردة، مستندة إلى ذوق رفيع وشغف لا يهدأ.

وتنقلنا (للقوارير) عبر نافذة (هي والإبداع) إلى عالم رسل الزاخر بجمال فنها، لنكتشف معًا كيف تتحول الفكرة إلى لوحة، وكيف يصبح الفن لغة صامتة تبوح بالكثير.

 

ذاتي الحقيقي

تحدثتنا رسل قائلة: "أنا خريجة هندسة حاسوب، بدأت مسيرتي المهنية بالعمل في إحدى المدارس بعد شهر من تخرجي، لكن شغفي بالفن قادني إلى عالم آخر وجدت فيه ذاتي الحقيقية، وعلى الرغم من أن الموهبة الفنية لم تكن حاضرة منذ طفولتي، فإنني اكتشفت حبي للأعمال اليدوية خلال سنوات دراستي الجامعية، لأبدأ رحلة التعلم وصقل مهاراتي، التي ما زالت مستمرة حتى اليوم."

 

 

محطة مهمة

توضح رسل أن فترة جائحة كورونا كانت محطة مهمة في تطوير مهاراتها في التطريز اليدوي، إذ استثمرت وقتها في التعلم والتجربة حتى تمكنت من إتقان هذا الفن، أما المعجون البارز فقد دخل إلى عالمها الفني مؤخرًا، ليمنح أعمالها بُعدًا جماليًا إضافيًا، ويزيد من تنوع إنتاجها الفني.

وتؤكد أن اختيارها التطريز على الكانفاس جاء رغبةً منها في تقديم فكرة مختلفة وغير مألوفة، فيما وجدت في المعجون البارز مجالًا يتيح لها التميز، بسبب قلة العاملين فيه مقارنة بغيره من الفنون اليدوية، لذلك حرصت على أن تضيف إلى كل عمل لمستها الخاصة التي تعكس شخصيتها الفنية.

 

خصوصية لافتة

ومن الأفكار التي منحت لوحاتها خصوصية لافتة، دمج الزجاج الناعم مع الخامات الأخرى، وتذكر أن هذه الفكرة جاءت باقتراح من إحدى صديقاتها المقيمات في السويد، التي كانت تستخدم هذه التقنية في أعمالها، فقامت رسل بتجربتها وتطويرها بما يتناسب مع أسلوبها الفني الخاص، وعن مراحل إنجاز العمل الفني، ترى رسل أن الخبرة والممارسة المستمرة جعلتا تنفيذ الأعمال أكثر سلاسة، مؤكدة أن التحديات التي كانت تواجهها في البداية تراجعت مع مرور السنوات.

كما تشير إلى أن أسعار أعمالها تختلف بحسب حجم اللوحة وتعقيد التصميم، إذ تعتمد معظم أعمالها على طلبات خاصة يختار فيها الزبون التصميم الذي يناسب ذوقه، لتتولى هي مهمة تحويل الفكرة إلى عمل فني متكامل.

 

تجربة مغايرة

تستمد الفنانة رسل أفكارها من رغبات الزبائن وتصوراتهم المختلفة، معتبرة أن كل طلب جديد يمثل تجربة فنية مغايرة، وفرصة لإنتاج عمل يحمل طابعًا خاصًا، ولم تكن الطريق دائمًا سهلة، فقد واجهت رسل في بداية مشوارها الفني تحديًا تمثل في قلة الدعم وضعف الطلبات لأكثر من عامين، إلا أن إصرارها على الاستمرار وتطوير أدواتها الفنية كان أقوى من العقبات.

وتستذكر في هذا السياق الدعم الذي تلقته من الفنانة براء الزبيدي، والذي شكّل نقطة تحول مهمة في مسيرتها؛ إذ بدأت بعده بالاهتمام أكثر بجودة التصوير وإخراج أعمالها بصورة احترافية، الأمر الذي ساعدها على الوصول إلى جمهور أوسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتزداد الطلبات ويحظى عملها باهتمام أكبر.

 

رحلة هادئة

وتؤكد رسل أن هذا المجال لا يمثل بالنسبة لها مجرد مصدر دخل، بل مساحة للراحة النفسية والتعبير عن الذات، وتصف لحظات العمل على اللوحات بأنها رحلة هادئة تنقلها بعيدًا عن ضجيج الحياة اليومية، قائلة إن متعتها الحقيقية تكمن في مشاهدة لوحة بيضاء بسيطة تتحول تدريجيًا إلى عمل نابض بالألوان والحب والتفاصيل.

وقد شاركت رسل في عدد من الفعاليات والمهرجانات، من بينها مهرجان خيري داخل إحدى المدارس، ومهرجان جامعي، إضافة إلى مشاركتها في مهرجان «بيبان الخير»، وهي تجارب أتاحت لها فرصة عرض أعمالها والتواصل مع جمهور أوسع من المهتمين بالفنون اليدوية، أما عن أحلامها المستقبلية، فتتطلع إلى تأسيس ورشة فنية خاصة بها، تكون فضاءً يجمع الأطفال والشباب وكبار السن في مكان تسوده المحبة والطاقة الإيجابية والإبداع، كما لا تستبعد إقامة ورش تدريبية حضورية أو إلكترونية لتعليم هذا الفن ونقل خبراتها إلى الآخرين.

 

حكاية صغيرة

في كل لوحة تنجزها رسل جاسم حكاية صغيرة من الصبر والشغف، وفي كل غرزة تطريز أو لمسة لون انعكاس لرحلة بدأت بالفضول والتعلم، ثم نمت بالإصرار حتى أصبحت لغة خاصة للتعبير والجمال، فبين خيوط الكانفاس وملمس المعجون البارز، تواصل رسل رسم أحلامها بهدوء، مؤمنة بأن الفن ليس مجرد عمل يُنجز، بل أثر جميل يتركه الإنسان في قلوب الآخرين.