يُعدّ المسرح أحد أهم الوسائط الثقافية القادرة على نقل القيم والأفكار وترسيخها في وعي المتلقي؛ لما يمتلكه من أدوات فنية تجمع بين التأثير البصري والوجداني والفكري، وقد برز مسرح الزيارة الأربعينية بوصفه ظاهرة فنية وثقافية رافقت الشعائر الحسينية، وأسهمت في تجسيد المبادئ التي نهضت من أجلها ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، من خلال تقديم عروض مسرحية تستلهم أحداث الطف وتعيد صياغتها بلغة معاصرة تستهدف مختلف فئات المجتمع.
ومن بين هذه العروض تبرز مسرحية (يا ليتني) بوصفها نصًا مسرحيًا يحمل مضامين تربوية وقيمية متعددة، تتجلى في الدعوة إلى التضحية والولاء والتمسك بالمبادئ الإنسانية والأخلاقية، بما يؤكد الدور التربوي لمسرح الزيارة الأربعينية في بناء الوعي وتعزيز المنظومة الأخلاقية المستمدة من النهضة الحسينية.
ومن أبرز القيم التربوية التي جسدها النص قيمة نصرة القرآن الكريم، ويتضح ذلك في قول محمد: «أريد أن أدافع عن القرآن»، وقول الرجل: «أنا القرآن الذي لم تنصره، وقصّرت في الدفاع عنه»، وتمثل هذه القيمة الفكرة المركزية التي بُنيت عليها المسرحية بأكملها؛ إذ جعلت الكاتبة الدفاع عن القرآن الكريم منطلقًا للأحداث، إلا أنها لم تقدمه بوصفه موقفًا انفعاليًا مؤقتًا، بل مسؤولية دينية وأخلاقية مستمرة، ويتضح ذلك عندما واجه القرآن الكريم شخصية محمد في الرؤيا، مؤكدًا أن النصرة الحقيقية لا تقتصر على الغضب تجاه الإساءة إليه، وإنما تتحقق من خلال الموقف العملي والسعي إلى إظهار مكانته في المجتمع، ومن ثمّ تنتقل القيمة من مستوى العاطفة إلى مستوى السلوك، وهو ما يمنحها بعدها التربوي.
ويرتبط بذلك تجسيد قيمة تحمل المسؤولية، التي تجلت في قول الرجل: «أتذكر يا محمد عندما أحرقني ضالٌّ، أردت أن تنصرني فامتنعت؟»، إذ تكشف هذه العبارة عن أهمية المسؤولية الفردية في المنظور التربوي للمسرحية؛ فمحمد لم يكن مسيئًا إلى القرآن الكريم، لكنه قصّر في اتخاذ موقف إيجابي لنصرته، ومن هنا تؤكد الكاتبة أن التقصير لا يتمثل في الفعل السلبي فحسب، بل قد يكون في الامتناع عن أداء الواجب، ولذلك تُنمّي المسرحية لدى المتلقي الشعور بالمسؤولية تجاه الدين والقيم والمقدسات.
ومن القيم التي أولتها المسرحية عناية واضحة قيمة محاسبة النفس التي حثّ عليها القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، وقد تجلت في قول محمد لوالدته: «أنا ضائع يا أمي، أنا ضائع»، وقوله: «إذن خسرت كل شيء؟»، وتجسد هذه العبارات حالة الصراع النفسي التي يعيشها البطل بعد سماعه النداء ورؤيته الرؤيا، وقد وظفت الكاتبة هذا الصراع لتقود الشخصية إلى مراجعة ذاتها ومحاسبة أفعالها، وتُعدّ محاسبة النفس من القيم التربوية المهمة؛ لأنها تساعد الفرد على اكتشاف أخطائه وتصحيحها قبل فوات الأوان، وهو ما حدث مع محمد عندما أدرك تقصيره تجاه القرآن الكريم.
وقد قادت هذه المراجعة الذاتية إلى إبراز قيمة التوبة والإصلاح، وذلك في قوله: «سامحني واعفُ عني»، وقوله: «سأعاهد الله تعالى على نصرة كتابه والدفاع عنه ولو كلفني ذلك حياتي»، وتتجلى هذه القيمة من خلال التحول الدرامي الذي شهدته شخصية محمد؛ إذ انتقل من حالة التردد والتقصير إلى حالة الندم والعزم على التغيير، وتؤكد الكاتبة من خلال هذا التحول أن الخطأ ليس نهاية الطريق، بل إن الاعتراف به والسعي إلى إصلاحه يمثلان بداية جديدة للإنسان، ولذلك جاءت نهاية المسرحية لتكرّس مفهوم التوبة بوصفه قيمة تربوية تدفع الفرد إلى بناء ذاته من جديد.
وإلى جانب ذلك، أبرز النص أهمية الأسرة في عملية التوجيه والإرشاد، ولا سيما من خلال شخصية الأم، كما يتضح في قولها: «أتتعبني؟ أنت ولدي، راحتك هي راحتي»، وقولها: «قم يا ولدي وصلِّ ركعتين لوجه الله تعالى، واقرأ ما تيسر لك من كتابه الكريم»، فقد ظهرت الأم بوصفها مصدرًا للحنان والتوجيه؛ إذ لم تكتفِ بمشاركة ابنها مشاعر القلق والحزن، بل أرشدته إلى الطريق الصحيح من خلال الصلاة والرجوع إلى القرآن الكريم، ويكشف هذا الدور عن أهمية الأسرة في بناء الوعي الديني والأخلاقي، كما يرسخ قيمة احترام الوالدين والاستفادة من خبرتهما وتوجيههما.
كما تجلت قيمة الارتباط بالإمام الحسين (عليه السلام) في قول والدة محمد: «ربما يكون صوت الإمام الحسين (عليه السلام)، ونحن نقترب من أيام محرم»، وقول محمد مخاطبًا الإمام الحسين (عليه السلام): «سيدي، لا تحرمني عطفك وحنانك ونصرتك، لا تتركني يا سيدي»، وقد استثمرت الكاتبة الرمز الحسيني بوصفه رمزًا للإصلاح والثبات على المبادئ؛ فالنداء الحسيني في المسرحية لا يقتصر على بعده التاريخي، بل يتحول إلى دعوة أخلاقية وتربوية متجددة تدفع الإنسان إلى مراجعة مواقفه والالتزام بالقيم التي ضحّى الإمام الحسين (عليه السلام) من أجلها، ومن هنا تتجلى الوظيفة التربوية لمسرح الزيارة الأربعينية في ربط المتلقي بالمثل العليا المستمدة من النهضة الحسينية.
كذلك برزت قيمة الوعي في اتخاذ القرار في قول محمد: «ليتني نصرتك، ليتني لم أستمع لكلام أمير»، إذ تكشف هذه العبارة عن خطورة الانسياق وراء آراء الآخرين دون تفكير أو تمحيص، فقد عدل محمد عن موقفه الأول المتمثل في الدفاع عن القرآن الكريم متأثرًا بكلام صديقه، ثم أدرك لاحقًا خطأ ذلك التراجع، ومن هنا تؤكد الكاتبة أهمية استقلالية القرار والاحتكام إلى القناعة الواعية القائمة على المسؤولية الدينية والأخلاقية، بما يسهم في بناء شخصية قادرة على التمييز بين الصواب والخطأ.
ونستشف مما تقدم أن النص المسرحي قد كشف عن منظومة متكاملة من القيم التربوية، أبرزها: نصرة القرآن الكريم، وتحمل المسؤولية، ومحاسبة النفس، والتوبة، وأهمية الأسرة في التوجيه والإرشاد، والارتباط بالقيم الحسينية، والوعي في اتخاذ القرار، وقد جسدت الكاتبة هذه القيم عبر التحول النفسي والفكري لشخصية محمد، بدءًا من التردد والانفعال وصولًا إلى اليقظة والالتزام، مما جعل البناء الدرامي أداة تربوية فاعلة تسعى إلى توجيه المتلقي نحو السلوك القويم، وتعزيز الوعي الديني والأخلاقي، وترسيخ قيم الإصلاح الذاتي المستمدة من القرآن الكريم والنهضة الحسينية المباركة.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري