خسر أبي إصبعين من قدمه اليمنى بعد أن أتلفهما مرض السكري، ولم يكن أمام الأطباء سوى بترهما حفاظًا على ما تبقى من قدمه، ومنذ ذلك الحين استعان بعكاز يساعده على التنقل وقضاء احتياجاته اليومية، إذ كان يفضل الاعتماد على نفسه بدلًا من الاستعانة بالآخرين، ومن بين العادات التي لم يتخلَّ عنها أبي يومًا كانت المشاركة السنوية في مسيرة زيارة الأربعين نحو مدينة كربلاء، لذلك تملكتني الدهشة حين رأيته يستعد للرحلة كعادته، يجمع أغراضه القليلة في حقيبة صغيرة استعدادًا للالتحاق بركب الزائرين السائرين على طريق "يا حسين".
اقتربت منه بقلق وقلت: "أبي، صحتك لم تعد كما كانت، ويمكنك أداء الزيارة من المنزل، فأنت معذور".
نظر إليَّ بثبات وأجاب دون تردد: "لن أغير عادتي ما حييت، كنت أملك قدمين، أما اليوم فأملك ثلاثًا".
وأشار إلى عكازه الذي لم يكن بالنسبة إليه أداة للعجز، بل رفيقًا يسانده في مواصلة الطريق، وإصرارًا يتجدد كل عام على بلوغ كربلاء مهما كانت التحديات.
نهر بشري
في كل عام تتحول الطرق المؤدية إلى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) إلى نهر بشري يضم ملايين الزائرين، ومن بينهم تبرز مشاهد لا تشبه سواها؛ حيث يتحدى ذوو الاحتياجات الخاصة آلام الجسد ومشقة الطريق ليشاركوا في زيارة الأربعين، غير آبهين بتعب أو عائق، وكأنهم يكتبون بصبرهم رسالة عشق لا تنطفئ.
فبين مقعد يدفع كرسيه لمسافات طويلة، وضرير يستدل الطريق بقلبه قبل عينيه، وآخر يحمل إعاقة جسدية لكنه يرفض التخلف عن الركب، تتجسد صور إنسانية تختصر معنى الإرادة والصبر.
وتنقل لنا مجلة «للقوارير» جانبًا من مشاعرهم خلال مشاركتهم في إحياء مراسم زيارة الأربعين.
أرى الطريق بقلبي
الحاج عدنان غانم فقد بصره أثناء تأدية واجبه العسكري في سنوات الحرب، وحينما عادت مراسم المسير في زيارة الأربعين كان من أوائل المشاركين في ركب الزائرين.
حدثنا قائلًا:
"المشاركة في الزيارة منحتني شعورًا لا يمكن وصفه، فأنا لا أرى الطريق بعيني، إنما أراه بقلبي، فأصوات الزائرين، وقصائد الرثاء التي تملأ المكان عبر مكبرات الصوت، وخدمة الناس، تجعلني أشعر أنني وسط عائلة كبيرة".
الحرص على المشاركة
أما أبو يوسف، وهو في عقده السادس، وزائر قادم من مدينة البصرة، فكان يشق طريقه بصعوبة وسط الزائرين، فيما كان ابنه يدفع كرسيه المتحرك لساعات طويلة تحت حرارة الشمس.
قال بصوت متعب لكنه مفعم بالرضا: "قدماي لا تساعداني على السير منذ سنوات، لكن قلبي يمشي قبل الكرسي، فكل تعب الطريق يهون حين أرى الرايات السوداء وأسمع أصوات المواكب تنادي بخدمة الزائرين".
وأضاف: "في كل مرة أصل فيها إلى مدينة كربلاء المقدسة أشعر وكأنني انتصرت على ألمي، لذلك أحرص على المشاركة كل عام مهما كانت ظروفي الصحية".
وختم حديثه قائلًا: "الحمد لله الذي وهبني الصحة وجعلني أشارك في مراسم هذه الزيارة العظيمة، وإن كنت على كرسي متحرك".
شعور الانتماء
فيما قال الشاب أحمد ناصر الزيادي، الذي فقد إحدى ساقيه إثر حادث:
"كثيرًا ما يندهش البعض من مشاركتي في مراسم المسير صوب مدينة كربلاء المقدسة، خصوصًا وأنا أستعين بطرف صناعي؛ فمرة أسير به، ومرة أستعين بعكاز".
وأضاف:
"أنا أؤمن أن الإنسان لا تقيده إعاقته، بل استسلامه، وعلى الرغم من تعب الطريق، فإن الشعور بالانتماء لهذا الحشد يمنحني قوة لا أعرف مصدرها".
درس عظيم
من جانبه، يرى الشيخ حيدر الساعدي أن مشاركة ذوي الاحتياجات الخاصة في الزيارة الأربعينية تمثل صورة حقيقية لقيم الإمام الحسين (عليه السلام) ونهضته، حيث يقدمون درسًا عظيمًا في الإرادة والصبر، فهم يواجهون مشقة مضاعفة، لكن محبتهم للإمام تدفعهم لتحمل الطريق.
وتابع قائلًا:
"إن زيارة الأربعين لا تقتصر على المشي فقط، بل هي مدرسة أخلاقية وإنسانية يتجلى فيها التكافل والتراحم بين الناس دون تمييز، فعلى الرغم من التعب والإرهاق وطول الطريق، يواصل ذوو الاحتياجات الخاصة رحلتهم نحو كربلاء بإيمان لا تزعزعه المشقة، ليؤكدوا لنا أن الحب الصادق قادر على تجاوز حدود الجسد".
كما لا تقتصر المشاركة على الزائرين فقط، إذ حرصت العديد من المواكب الحسينية على توفير خدمات خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة، كالكراسي المتحركة، وأماكن الاستراحة، والرعاية الصحية.
وختم الساعدي حديثه بالقول:
"في طريق الأربعين لا تبدو الإعاقة عائقًا بقدر ما تبدو الإرادة عنوانًا لحكايات إنسانية تُروى كل عام، وتبقى شاهدة على أن بعض القلوب تمشي بقوة تفوق الأقدام".
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري