في إطار الاهتمام بالفئات الخاصة في المجتمع، يبرز معهد متلازمة داون التابع لمؤسسة السبطين للطب النفسي والتوحد التابع للعتبة الحسينية المقدسة كواحد من المشاريع الإنسانية الرائدة، التي تسعى إلى احتضان الأطفال وتطوير قدراتهم، ومنحهم فرصة حقيقية للاندماج في المجتمع.

في بداية لقائنا، تعرّفنا على إدارة المعهد، حيث أوضحت السيدة دعاء عبد الكريم قاسم مديرة المعهد، أن تأسيسه جاء استجابةً لحاجة مجتمعية ملحّة، إذ تم إنشاؤه على يد الدكتور أسامة الساعدي والدكتورة شذى العوادي، بناءً على طلب العوائل الذي نُقل عبر المتولي الشرعي سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي، نتيجة غياب مراكز متخصصة تُعنى بأطفال متلازمة داون وتوفر لهم بيئة تعليمية وتأهيلية مناسبة.

وأشارت إلى أن الكادر التعليمي خضع لتدريب مكثف على يد نخبة من الاختصاصيين في أكاديمية السبطين، مما مكّنهم من اكتساب المهارات اللازمة للتعامل مع هذه الفئة التي تحتاج إلى أساليب خاصة في التواصل والتعليم، ويضم المعهد حاليًا ما يقارب (14) مدربة، بطاقة استيعابية تصل إلى (60) طفلًا.

وعن أبرز التحديات التي واجهت المعهد، أوضحت المديرة أن ضعف وعي بعض العوائل في البداية، وقلة تعاونهم مع الكادر شكّلا عائقًا، إلا أن هذا الوضع تحسن تدريجيًا مع ازدياد الوعي المجتمعي، كما أن الإقبال على المعهد كان كبيرًا ولا يزال مستمرًا، حتى باتت طاقته الاستيعابية لا تكفي لاستقبال المزيد من الأطفال.

يسعى المعهد إلى تحقيق أهداف متعددة، في مقدمتها تطوير المهارات اللغوية للأطفال، وتأهيلهم مهنيًا للمستقبل من خلال تعليمهم مهارات مثل الخياطة والتطريز، إضافة إلى تدريبهم على كيفية التعامل مع المجتمع.

ويعتمد المعهد في برامجه على برنامج "الأيبلز"، حيث يتم إعداد خطط تعليمية فردية وجماعية لكل طفل بحسب قدراته واحتياجاته، وتشمل البرامج جوانب تعليمية أكاديمية، ومهارات العناية الذاتية، والمهارات الاجتماعية، إلى جانب برامج النطق، أما تقييم الطلاب، فيتم بشكل دوري وفق الخطط الموضوعة، لمتابعة مدى تقدمهم وتحقيقهم للأهداف المحددة، ولم يغفل المعهد الجانب الترفيهي والتطبيقي، إذ يوفر أنشطة متنوعة مثل تعليم الخياطة باستخدام الماكينات، والتطريز، وصناعة أشكال بالطين الصناعي، إلى جانب الأنشطة الرياضية ككرة القدم، وتصنيع وسائل تعليمية بطرق إبداعية.

وتؤكد إدارة المعهد على أهمية دور الأسرة، حيث يتم تنظيم ورش عمل تدريبية للعوائل لتعليمهم كيفية التعامل مع أطفالهم، بما يضمن استمرارية التأهيل داخل المنزل وخارجه، وفيما يتعلق بالفروقات الفردية بين الطلاب، يتم التعامل معها من خلال الخطط الفردية التي تُعد لكل طفل وفق قدراته الخاصة، مما يضمن تحقيق أفضل النتائج الممكنة، كما يضم المعهد كادرًا مدربًا على برامج النطق بشكل كامل، حيث تم تدريبهم من قبل أكاديمية السبطين، ما ساهم في تحقيق نتائج ملحوظة.

ومن أبرز القصص الملهمة التي شهدها المعهد، حالة طفل جاء وهو لا ينطق أي حرف، وكانت والدته تبكي بعدما أخبرها الأطباء أنه لن يتمكن من الكلام، إلا أنه اليوم، وبفضل الله ثم جهود الكادر، أصبح قادرًا على نطق أغلب الكلمات، كما تمكن بعض الأطفال من إكمال منهج القراءة للصف الأول الابتدائي والبدء بمنهج الصف الثاني، ورغم النجاحات، لا تخلو المسيرة من التحديات اليومية، إذ يواجه الكادر سلوكيات مختلفة لدى الأطفال، مثل صعوبة التحكم ببعض التصرفات داخل الصف، مما يتطلب صبرًا وجهدًا مضاعفًا، وفيما يخص المستقبل، أكدت إدارة المعهد وجود خطط لتطوير البرامج وزيادة عدد الكوادر، بهدف استيعاب عدد أكبر من الأطفال وتقديم خدمات أفضل.

وفي ختام اللقاء، وجهت مديرة المعهد رسالة إلى المجتمع، أكدت فيها أن أطفال متلازمة داون يمتلكون قدرات جميلة، ويحتاجون فقط إلى الدعم والفرصة لإثبات أنفسهم، داعيةً إلى ضرورة التعامل معهم باحترام والعمل على دمجهم في المجتمع، هكذا يواصل معهد متلازمة داون مسيرته، حاملاً رسالة إنسانية سامية، مفادها أن الاختلاف ليس عائقًا، بل بداية لطريق مليء بالإمكانات حين يجد من يؤمن به.