تمثل عاشوراء مدرسةً تربويةً وإنسانيةً متكاملة، تحمل في طياتها قيماً ومبادئ سامية تتجاوز حدود الزمان والمكان، وعندما نغرس هذه المبادئ في نفوس الأطفال منذ الصغر، فإننا لا نعرّفهم بحدث تاريخي فحسب، بل نساعدهم على بناء منظومة أخلاقية تشكل شخصياتهم وتوجّه سلوكهم نحو الخير والفضيلة، ومن هنا تأتي أهمية تسليط الضوء على دور مبادئ عاشوراء في تربية الأجيال وتنشئتها على القيم التي تجعل منهم أفراداً صالحين ومؤثرين في مجتمعاتهم، وفي هذا السياق كان لمجلة للقوارير حواراً عن تربية الطفل الحسيني:

 

ما أهمية تعريف الأطفال بمبادئ عاشوراء منذ سن مبكرة وبطريقة تناسب أعمارهم ؟

قالت عليا هادي علي -أم لأربع بنات-: "أرى أن السنوات الأولى من عمر الطفل هي المرحلة الأهم في تكوين شخصيته، لذلك فإن تعريفه بمبادئ عاشوراء في هذا العمر يرسّخ في قلبه حب الخير والعدل واحترام الآخرين، والأطفال لا يتعلمون بالمواعظ الطويلة بقدر ما يتعلمون من القصص والمواقف القريبة إلى عالمهم، لذلك أتحدث مع أطفالي عن الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفه قدوةً في الصدق والرحمة والعطف على الناس، وأقدّم لهم هذه القيم من خلال حكايات مبسطة ومواقف عملية يعيشونها يومياً، فعندما يربط الطفل بين هذه المبادئ وسلوكه اليومي، تصبح جزءاً من شخصيته وليست مجرد معلومات يسمعها".

 

ما أبرز القيم الأخلاقية التي يتعلمها الأطفال من واقعة عاشوراء؟

شاركتنا فاطمة علي -مُدرسة للمرحلة الابتدائية- : "إن واقعة عاشوراء زاخرة بالدروس الأخلاقية التي يحتاجها كل جيل، فالطفل يتعلم منها أن الحق قيمة عظيمة تستحق الثبات والدفاع عنها، ويتعلم أن الصدق لا يتغير بتغير الظروف، وأن الإنسان المؤمن يبقى أميناً على مبادئه مهما واجه من صعوبات، كما أن الشجاعة التي جسدها الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه تعلّم الطفل أن يكون قوياً في مواقفه، وألا يخاف من قول الحقيقة أو الاعتراف بالخطأ، ومن خلال هذه المعاني ينشأ جيل يمتلك قوة الأخلاق قبل قوة الجسد، ويجعل من القيم أساساً لكل قراراته وتصرفاته".

 

ما الوسائل التربوية المناسبة لغرس قيم عاشوراء في نفوس الأطفال؟

أما (وسن علي) -مُدرسة للمرحلة المتوسطة- كان رأيها: "إن التربية الناجحة تقوم على المشاركة والتفاعل، لذلك نحرص في المدرسة على تقديم قيم عاشوراء بوسائل تربوية متنوعة تناسب أعمار التلاميذ، فمن خلال الأنشطة الفنية والرسم والأعمال اليدوية يستطيع الطفل التعبير عن فهمه للقيم التي يتعلمها، كما أن المسرح التربوي والقصص الهادفة يساعدانه على التفاعل مع الشخصيات والمواقف بصورة أعمق، ونشجع الأطفال كذلك على تطبيق هذه القيم داخل الصف من خلال التعاون واحترام الآخرين والالتزام بالصدق في التعامل، وعندما تتحول القيمة إلى ممارسة يومية، تصبح أكثر رسوخاً وتأثيراً في سلوك الطفل".

 

كيف ينعكس تعلّم مبادئ عاشوراء على سلوك الطفل وعلاقته بأسرته ومجتمعه والأثر الحاصل في تكوين شخصيته؟

أجاب محمد أحمد محمود -المتخصص في علم النفس-: "من منظور نفسي، فإن الطفل الذي ينشأ على قيم عاشوراء يكتسب منظومة داخلية تساعده على ضبط سلوكه واتخاذ قراراته بطريقة متوازنة، فهو يصبح أكثر قدرة على التعاطف مع الآخرين، وأكثر احتراماً للقوانين والواجبات الأسرية والاجتماعية، كما تعزز هذه القيم لديه الشعور بالمسؤولية والانتماء والثقة بالنفس، ومع مرور الوقت تتراكم هذه الخبرات لتكوّن شخصية ناضجة تمتلك وضوحاً أخلاقياً واستقلالية في التفكير، فتكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط والتحديات دون التخلي عن مبادئها، وهكذا تتحول القيم التي تعلمها في طفولته إلى بوصلة توجه حياته في مراحلها المختلفة".

إن غرس مبادئ عاشوراء في نفوس الأطفال هو استثمار حقيقي في بناء الإنسان، لأنها تقدم نموذجاً عملياً للقيم التي يحتاجها الفرد في حياته اليومية، وعندما تتكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية في تقديم هذه المبادئ بأساليب واعية ومناسبة، فإنها تسهم في إعداد جيل يحمل الأخلاق في سلوكه، والوعي في فكره، والمسؤولية في مواقفه، وبهذا تبقى رسالة عاشوراء حاضرة في النفوس، لا كذكرى تُستعاد فحسب، بل كمنهج حياة يصنع أفراداً أفضل ومجتمعاً أكثر تماسكاً ووعياً.