ما زلنا نقرأ الآيات بترتيلاتٍ مختلفة تُشجي السامع، لكنها لا تترك أثراً؛ لأنها لم تُطبَّق على القارئ نفسه، إذ إنها لا تتجاوز الحناجر.

فآيات الله تحمل دلالاتٍ عظيمة، وفي قصصه عِبَرٌ لا تُحصى، ومن ذلك آية الذبح؛ فهذه الآية ليست مجرد توثيقٍ لحدثٍ تاريخي فُدي فيه النبي إسماعيل (عليه السلام)، بل كانت إيذاناً ببدء خطٍّ ممتد من الفداء الإلهي، تجلّى في أسمى صوره ومصاديقه على أرض كربلاء، فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يقدّم دمه الطاهر إلا افتداءً لدين جدّه من الزوال، ليصنع من فاجعة الطف مدرسةً أزلية تُعلّم البشرية أن بقاء القيم الإلهية مرهونٌ بالتضحية المطلقة.

وهذا الفداء الحسيني الحاضر في الوجدان ليس مجرد ذكرى، بل هو منهجٌ عملي يتجاوز حدود الزمان والمكان، ليرتبط بـ(الفداء الأكبر) الذي يخوضه الإنسان في باطنه، وهو فداء النفس الأمّارة بالسوء، إن الاستجابة لنداء الحسين (عليه السلام) تقتضي بالضرورة ذبح الهوى والمطامع الشخصية على مذبح الطاعة لله جلّ وعلا؛ فالتحرر من التعلّق بالأغيار ـ أي بغير الله ـ هو الذي يصنع الإنسان الحقيقي، فالحسين (عليه السلام) لم يتحرر من قيود الطغاة إلا بعد أن تحرر تماماً من التعلّق بالدنيا، فصار جسده على الأرض وروحه تحت العرش.

فكما فدى الحسين (عليه السلام) رسالته بالنفس الزكية، على المؤمن أن يفدي نزواته ورغباته ومغريات الحياة الفانية التي تشدّه إلى الأرض، ليحرر روحه باتجاه السماء.

وحين تتكالب مغريات الدنيا وزخارفها، وتدعو النفس الأمارة صاحبها إلى التراجع أو التخاذل، يأتي نداء عاشوراء ليعيد ضبط البوصلة: لا قيمة لأي شيء إذا كان الثمن خسارة المبدأ، إن رسالة كربلاء العميقة تصدح بأن على الإنسان أن يكون مستعداً لافتداء راحته وجاهه ومكتسباته الدنيوية، ليكون الطريق في النهاية لله وحده، خالصاً من الشرك الخفي والتعلّق بالأغيار.

إن ربط (الذبح العظيم) بجهاد الذات يحوّل الدموع إلى وعي، والشعائر إلى ثورة داخلية ترفض الانصياع لشهوات النفس العابرة، لقد اختصر الحسين (عليه السلام) الطريق؛ فمن أراد اللحاق بقافلته، عليه أولاً أن يعبر فوق أنانيته، ويجعل من قلبه قرباناً لا ينبض إلا بحب المولى والذوبان في رضاه.

إن العبارة القرآنية: ﴿وفديناه بذبحٍ عظيم﴾ تفتح أفقاً تأويلياً واسعاً، فالفداء في قصة إسماعيل (عليه السلام) كان فداءً لنبيٍّ واحد كُتبت له الحياة لتستمر السلالة النبوية، أما في كربلاء فإن الفداء اتخذ مساراً معكوساً؛ حيث قُدِّم «الذبح العظيم» ـ الإمام الحسين (عليه السلام) ـ فداءً للأمة بأسرها، وللقيم الإنسانية من الفناء.

ففي مكة كان الفداء كبشاً لحفظ دم الإنسان (إسماعيل)، أما في كربلاء فكان الفداء إنساناً كاملاً (الحسين) لحفظ دين الله وقيم السماء.

وكأن الذبح الأول في مكة كان تأجيلاً إلهياً للملحمة الكبرى، ليكون الفداء الأتم والأعظم على أرض الطف، حيث لم ينجُ الجسد، بل نجت الرسالة.

والمعركة بين الحسين ويزيد ليست حدثاً تجمّد في عام (61) للهجرة، بل هي صراع يومي يعيشه كل مؤمن.

فعاشوراء الداخلية هي اللحظة التي يختار فيها الإنسان بين الحق الصعب ـ خط الحسين ـ والباطل المريح ـ خط النفس الأمارة.

والسكين التي لم تقطع نحر إسماعيل، والتي قطعت نحر الحسين، ينبغي للمؤمن أن يضعها على عنق شهواته ورغباته المحرمة.

إن ربط «الذبح العظيم» بجهاد الذات يحوّل الدموع إلى وعي، والشعائر إلى ثورة داخلية ترفض الانصياع لشهوات النفس العابرة، لقد اختصر الحسين (عليه السلام) الطريق؛ فمن أراد اللحاق بقافلته، عليه أولاً أن يعبر فوق أنانيته، ويجعل من قلبه قرباناً لا ينبض إلا بحب المولى والذوبان في رضاه.

وتأتي كربلاء بوصفها «مصححاً للمسار»، وصدمةً تذكيرية بأن كل ما في الأرض تراب، وأن ما يبقى هو ما كان لله وفي سبيل الله.