تخرُجُ إلى الشارع أو إلى أحد مراكز التسوق التجارية، فتلمحُ عينك شيئاً مشتركاً ورائجاً بين نسبة كبيرة من الناس حولك، قطعة ملابس من نوع أو لون محدد، طريقة تصرف، أكلات من صنفٍ ما يتهافت عليها الجميع، أو عبارةٍ ما تُصبح لازمة لغوية تتردد على ألسن الناس وكأنها عدوى، وكُلُ ذلك يحدّث بين ليلةٍ وضُحاها.

إذا كُنت شخصًا طبيعيًا لا يُدمن على تصفح مواقع التواصل والاجتماعي وعندك نمطك البشري المميز والخاص بك في الحياة، غالباً ستظهر عليك علامات الجهل بما يحصل، ويبدو الأمر محط تساؤل، حجابٌ من قماش ما، وشاح رقبة بلونٍ أحمر، بنطال عريض، حقيبة بحجم كف اليد، أو لون محدد يُعتمد كـ (لون السنة)، أو دمية غريبة الشكل تأسر الأطفال والكبار، ونوعية شوكولاتة تكتسح الكوكب كله، وهلّم جراً، كلٌ يجري خلف ما يُسمى بالـ (ترند) وللنساء والتُجّار نصيبُ الأسد من كل ما يحصل.

تُعرَّف كلمة "ترند" بأنها النمط السائد الذي يتبعه الأفراد عبر مواقع التواصل الاجتماعي في فترة زمنية معينة، ويشمل الموضوعات والأخبار والهاشتاغات ومقاطع الفيديو الرائجة، والتي تحظى باهتمام المستخدمين وانتشار سريع بينهم خلال فترة زمنية قصيرة.

إن الهشاشة النفسية التي تسيطر على معظم الأفراد اليوم وخوفهم من العزلة والتخلّف عن الجمع، تجعلهم يسيرون خلف هذا التقليد الأعمى، ليس بالضرورة عن وعي وإدراك، بل رغبةً منهم في الانتماء للجماعة والتسلّح بطاقة الانتماء وخوفاً من العقاب غير المباشر المتمثل بالإقصاء والشعور بانعدام المرغوبية لهذا الفرد بينهم؛ لما يمثّله من اختلاف واستقلالية مستفزة لا تُلائم ما يسير خلفه الجمع.

ينخرط الناس في هذه (الترندات) ظناً منهم إنها شيء وقتيّ يُعمل لغرض الاستمتاع وعيش اللحظة، دون وعي لما يُغيّره هذا الفعل الجمعي في البُنية المجتمعية والبيئية والنفسية وهدمه لمنظومة القيم وأنماط العلاقات بين أفراده إضافة لكونه يُدمّر الإيقاع الاجتماعي للأفراد مُعيداً تشكيل أنماط الاستجابة والتفاعل لدى الناس، ومُقسّماً إياهم لفئات ومجاميع يُعادي بعضها بعضًا.

مُدهشةٌ هي قوة الخوارزميات على جعل مجتمع كامل يعيش موجات متلاحقة من التقليد والانصياع التام لسطوتها دون إدراك لكون هذا الأمر يعيد تشكيل الناس وفق أهداف أكثر تعقيداً مما يبدو؛ إذ يسهل اليوم قيادة المجتمعات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ فمن خلال (الترند) انتقلت الصدامات السياسية والدولية من الحروب الصلبة التي تتدخل فيها الجيوش والأسلحة، إلى الحروب الناعمة غير المرئية تلك التي تدخل في المجتمع برقّة وتعيد ترتيبه دون ضجيج.

يُعاد تعريف الكثير من المفاهيم والعادات المجتمعية اليوم من خلال هذه القوى الناعمة، مثل مفهوم الأسرة والحرية والعدل والتحرر الذاتي والتعبير عن الرأي والسعادة والنجاح وإلى آخره وذلك من خلال مقاطع مرئية قصيرة قد لا يتجاوز بعضها الدقيقة الواحدة، وتتحول هذه الطريقة إلى وسيلة نفوذ حديثة تنتهجها معظم الدول العظمى لتجيّش لها جيوشاً ناعمة حول العالم، جيوشاً مطيعة خاضعة تكون عند أهبة الاستعداد للتخلي عن هويتها وأرضها ومنظومتها الفكرية عند أول نداء، وكل ذلك بدأ من وشاحٍ أو حقيبة أو قارورة عطر.