حين يولد الأمل قبل أوانه… بين حاضنات المستشفيات وأسلاك الأجهزة، تبدأ حكاية صراعٍ صامت بين جسدٍ لم يكتمل بعد، وإرادة حياةٍ تُصرّ على البقاء.

تحدّيات صحية، ونموّ متعثّر، وقلقٌ لا يفارق الأهل، تفاصيل تشكّل الأيام الأولى لطفلٍ لم تُمنح له رفاهية الانتظار داخل رحم أمه حتى النهاية.

وتسلّط (للقوارير) الضوء على عالم أطفال الخُدّج، مع الدكتور فريد رياض الحمداني، اختصاصي طب الأطفال وحديثي الولادة والخُدّج، ليحدّثنا عن الرحلة الشاقة التي يخوضونها منذ اللحظة الأولى في سبيل البقاء، واستحضار الأمل الذي يولد معهم.

 

خطورة الخُداج

يقول الدكتور فريد الحمداني:

"يُصنَّف الطفل خديجًا إذا كانت ولادته قبل الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل، وتزداد خطورة الخُداج كلما كانت الولادة أبكر، أو كان وزن الخديج أقل من المتوقع لعمره الحملي؛ إذ توجد علاقة عكسية بين وزن الطفل أو عمره الحملي وبين درجة خطورة الخُداج".

 

ولادة مبكرة

وحول الأسباب الطبية التي تؤدي إلى الولادة المبكرة، أضاف الحمداني:

"هناك عوامل متعددة للولادة المبكرة، بعضها متعلّق بالحالة الصحية للأم أو بحالة الجنين والمشيمة، مثل ارتفاع ضغط الدم لدى الأم، أو داء السكري، أو التشوّهات الجينية، أو العدوى الولادية، كما تزداد حالات الخُداج مع ارتفاع مستوى الضغط النفسي لدى الأم، لما له من ارتباط بزيادة نسب تمارض الحمل، كارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل، والتقلّصات الرحمية المبكرة، وغيرها من الأمراض المرتبطة بالإجهاد العصبي".

 

وقاية مبكرة

وفيما يخص الوقاية من بعض حالات الولادة المبكرة، أوضح قائلًا: "يمكن للأم تقليل خطر الولادة المبكرة من خلال اتباع الإرشادات الصحية أثناء الحمل، والفحص والمتابعة الدورية لحالة الأم والجنين، وذلك عبر الزيارات المنتظمة لعيادات صحة الأم والطفل في المراكز أو العيادات الصحية".

وأضاف:

"تتأثر جميع أعضاء الطفل الخديج بالولادة المبكرة، لكن الأعضاء الحيوية تكون الأكثر تأثّرًا، مثل الجهاز التنفسي، والجهاز الدوراني الوعائي، والجهاز العصبي، فضلًا عن ارتباط الخُداج بازدياد حالات العدوى نتيجة ضعف الجهاز المناعي".

 

أكبر تحدٍّ

وعن سبب اعتبار التنفّس أكبر تحدٍّ يواجه الطفل الخديج، قال: "تشكّل أمراض العسر التنفسي الحاد النسبة الأكبر من المضاعفات الناتجة عن الخُداج، والتي تتطلّب علاجًا مناسبًا ورقودًا داخل وحدات العناية الخاصة بالخُدّج، لذا تُعدّ أمراض الجهاز التنفسي التحدّي الأكبر والأكثر شيوعًا".

وأضاف:

"كما تؤثر مناعة الطفل بشكل مباشر في صحته، إذ يؤدي ضعف المناعة الناتج عن الخُداج إلى ارتفاع نسبة الإصابة بالالتهابات البكتيرية أو الفيروسية أو الفطرية".

 

أهم المعايير

وعن المعايير التي تُبنى عليها خطة علاج الطفل الخديج داخل الحاضنة، أوضح الاختصاصي: "تعتمد خطة العلاج على بروتوكولات الرعاية المعتمدة في ردهات الخُدّج، مع توفير الدعم اللازم للحفاظ على وظائف الأجهزة الحيوية ومنع حدوث المضاعفات الخطيرة التي قد تؤدي إلى الوفاة أو الإعاقة".

وأضاف:

"لا يحتاج الطفل الخديج في معظم الأحيان إلى جهاز التنفّس الصناعي، إلا في حالات الفشل التنفسي الحاد، إذ تساعد الأجهزة التنفّسية الساندة في تقليل الحاجة إلى هذا الجهاز".

 

الأيام الأولى

وتابع قائلًا: "تتم تغذية الطفل الخديج في الأيام الأولى عن طريق الرضاعة الطبيعية إذا كانت حالته الصحية أو وزنه وعمره الحملي يسمح بذلك، وفي حال وجود موانع صحية يتم اللجوء إلى التغذية الأنبوبية أو الوريدية".

وأشار إلى أن: "من أبرز المضاعفات التي ينبغي تفاديها تلك المتعلّقة بفشل الجهازين التنفسي والدوراني، ومنع الإصابات البكتيرية والفيروسية، مع الحفاظ على سلامة الأعضاء الحيوية كالدّماغ والكُلى وشبكية العين".

 

كنغر كير

تُعرّف عملية (كنغر كير) أو رعاية الكنغر بأنها طريقة بسيطة لكنها فعّالة جدًا، تعتمد على ملامسة جلد الطفل الخديج لجلد الأم أو الأب مباشرة، وسُمّيت بهذا الاسم تشبيهًا بأنثى الكنغر التي تضع صغيرها غير مكتمل النمو داخل جرابها ليبقى ملاصقًا لجسمها حتى يكتمل نموه.

وحول أهمية هذه الطريقة، أجاب الحمداني:

"تؤكد العديد من البحوث أهمية التلامس الجلدي بين الأم والطفل في تسريع تماثل الطفل للشفاء، وزيادة الترابط النفسي بينهما، كما أن للأم دورًا محوريًا في رعاية الطفل الخديج وتوفير الدعم النفسي له، فضلًا عن أهمية الرضاعة الطبيعية في تقليل خطر الالتهابات، وتعزيز المناعة، ودعم التطور العصبي والذهني".

وأضاف: "هناك شروط يجب توافرها للسماح بخروج الطفل الخديج من المستشفى، منها وصوله إلى الوزن المناسب، وقدرته على الحفاظ على وظائفه الحيوية بشكل مستقل، وتحقيق المعدل الطبيعي لزيادة الوزن، مع ضرورة توفير بيئة صحية مناسبة في المنزل لمتابعة نموه".

 

مؤثّرات الولادة المبكرة

ويؤكد الدكتور فريد أن الولادة المبكرة تؤثر بشكل ملحوظ في مؤشرات النمو البدنية والذهنية، مثل زيادة احتمالية الإصابة بالتوحّد وفرط الحركة، إلى جانب ارتفاع معدلات العدوى التنفسية والالتهابات المعوية.

ويشير إلى ضرورة اطّلاع الأهل، ولا سيما الأم، على هذه التحديات، مع الحرص على المتابعة المستمرة في المراكز الصحية، لتقليل فرص حدوث المضاعفات وتجنّبها.

وأضاف:

"يمكن للطفل الخديج أن يعيش حياة طبيعية، إلا أن ذلك يعتمد على درجة الخُداج والقدرة على تجنّب المضاعفات التي قد تؤثر في نموه البدني والعقلي، مع ضرورة المراقبة الدقيقة لمؤشرات النمو، خصوصًا في السنوات الأولى من العمر".

 

أصغر القلوب

وفي ختام اللقاء، سألنا الدكتور فريد عن أكثر موقف إنساني لا يُنسى غيّر نظرته للمهنة، فأجاب قائلًا: "في وحدة الخُدّج تعلّمنا أن أصغر القلوب تحمل أكبر معاني الصبر، طفل لا يتجاوز وزنه كيلوغرامًا واحدًا، تحيط به الأجهزة من كل جانب، وأمّ تراقبه بصمت خلف الزجاج، تخشى أن تبكي فيضعف قلبه الصغير، حركة خفيفة، نفسٌ منتظم، أو زيادة غرامات قليلة في الوزن، أشياء تبدو بسيطة، لكنها هنا تعني الحياة".

 

ميدان البقاء

في جميع أنحاء العالم، تُروى حكايات لأطفال خرجوا إلى الحياة قبل اكتمال صرختهم الأولى، جاءوا على عجلٍ كأن الحياة استعجلتهم قبل أن تكتمل ملامحهم، يحملون على أكتافهم الصغيرة معارك أكبر من أعمارهم، من داخل الحاضنات يبدأ صراع البقاء، وبعد جهود المختصّين، هناك من يخرج من معركته منتصرًا في ميدان الحياة.