في ظل عالمٍ تتسارع فيه القنوات الفضائية وبرامج التوك شو، وفي ظل عالم مفتوح، وانتشار القنوات الفضائية الكثيرة، والإنترنت فائق السرعة، نجد أن هناك آفاتٍ اجتماعية في عصرنا الحالي، بعض هذه الآفات قديم وبعضها حديث، وأكثرها يغلب عليه الطابع التكنولوجي نتيجة التحول الرقمي والتكنولوجيا فائقة السرعة، وانتشار استخدام الشاشات بين أيدي أطفالنا وشبابنا؛ بعضهم بوعي، والكثير منهم دون وعي.

نجد أن العالم يغيب عنه الوعي، وينتشر استخدام الشاشات والإنترنت، وفي ظل هذا العالم المتغير نشهد حروب الجيل الرابع والخامس التي تنخر المجتمعات العربية، بهدف إفشالها وتدميرها من الداخل، ومن هنا جاءت أهمية مناقشة الآفات المجتمعية في عصر الذكاء الاصطناعي، في محاولة لفهم الجذور الخفية لأوجاع المجتمع، لعل الوعي يكون الخطوة الأولى نحو التغيير وبناء الأوطان.

فهناك آهات اجتماعية كثيرة يئن منها المجتمع، ويجب أن نجد ونحاول ونستمر في إيجاد حلول واقعية لها، في محاولة منا للعيش بأمان في عالمٍ يغلب عليه استخدام الشاشات والهواتف الذكية، ومن هنا جاءت أهمية التعرف على هذه الآفات المجتمعية التي تؤثر علينا وتؤثر في مجتمعاتنا العربية بشكل كبير، ونجد التناقض في هذه المجتمعات ما بين الزواج المبكر وتأخر سن الزواج، كما نجد مشكلة البطالة وحرمان المرأة من الميراث.

كما برزت ظاهرة تنامي الألعاب الإلكترونية التي أصبحت تؤثر في شبابنا، فأصبحوا أسرى لهذه الألعاب التي تدمر العقول، والواقع أن حماية العقول لا تقل أهمية عن حماية الحدود، وأن الأمن الفكري ضرورة من ضروريات الحياة.

ولم تعد القدرات العسكرية وحدها هي المعيار القياسي لتوزيع القوة والسلطة؛ فقد تبوأت القدرات التكنولوجية مكانةً رئيسة في تحديد القوة في النظام الدولي الجديد، حيث تميزت بيئة هذا النظام بتسارع تراكم المعلومات، وزيادة استخدامها، وتحولها إلى سلعة تدر أموالًا طائلة على الدولة التي تحتكر هذه المعلومات، كما تسارعت الاتصالات، الأمر الذي أعلن معه ازدهار الثورة العالمية الرابعة بعد الثورة الزراعية والثورة الصناعية، وهي الثورة المعرفية، و أهم عناصرها: العلم، والتكنولوجيا، والمعلومات، والثقافة.

وقد تميز قادة المرحلة الرابعة، وهم رجال الأعمال، وقيادات الشركات العابرة للحدود، والقيادات السياسية، بسرعة وكثافة الاتصالات، وأصبح الامتداد المعرفي يتخطى الحدود الجغرافية ويشمل مختلف دول العالم، وهو الأمر الذي أدى إلى نشوء وحدات دولية جديدة وبروز قضايا جديدة في السياسة الدولية، بدءًا من تحول المعرفة إلى سلعة منتجة قابلة للتصدير، فيتحول الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد معرفي، ومرورًا بإقامة المدن الذكية وتسخير الذكاء الاصطناعي في إدارة الدولة، ومن ثم زادت القدرة التفاعلية للنسق الدولي؛ فالدول التي امتلكت زمام الثورة الصناعية الرابعة استطاعت أن تسود في النظام الدولي.

ونحن في شهر رمضان المبارك، يجب أن نتجه إلى العبادة وقراءة القرآن، الذي فيه شفاء من كل الأمراض، وأن نبتعد عن الشاشات التي جعلت منا فاقدي الوعي، وجعلتنا أسرى لشاشات لا ترحم، وتقدم لنا السم في العسل. لذا يجب على المؤسسات الدينية، سواء المساجد أو الكنائس، أن يكون لها دور في حل هذه الأزمة، من خلال التوعية والدعوة إلى أهمية قيمة الأسرة، وإعلائها على القيم الاستهلاكية التي كان لها دور كبير في تعميق هذه الأزمة.

كما يجب على المدرسة والجامعة والأسرة القيام بدور فعال في إصلاح ما فسد من القيم التي أوصلت المجتمع إلى هذه الدرجة، ويظل دور الأسرة ضروريًا في محاولة معالجة أزمة الجيل الحالي، وذلك بالتخلي عن الشروط والمطالب المادية الكثيرة التي عطلت الكثير من حالات الزواج، ولنتذكر ما قاله تشي جيفارا: "ماذا يفيد المجتمع إذا كسب الإنسان الأموال وخسر نفسه؟"


مدير تحرير جريدة الأهرام المصرية د. سامية أبو النصر