تتجاوز ليلة القدر في الفهم الإسلامي العميق كونها مجرد زمن لمضاعفة الأجر، لتكون في جوهرها ليلة "التدبير الإلهي"؛ والتدبير فعلٌ يقتضي بالضرورة وجود "مُدبَّر إليه" يستقبل الأمر الإلهي.
الاستدلال القرآني على استمرارية الإمامة
إن النص القرآني في سورة القدر يستخدم صيغة المضارع في قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ)، وهذا التعبير يفيد الاستمرار الزماني وتجدد النزول في كل عصر، وبما أن الملائكة لا تنزل في فراغ، فإن منطق العناية الإلهية يستوجب وجود قلب طاهر يمثل "خليفة الله" في أرضه لاستقبال هذا الروح والملأ الأعلى.
فمن هنا، تبرز ليلة القدر كأقوى دليل حيّ على استمرار الإمامة؛ فهي الليلة التي تُعرض فيها مقادير الخلائق من آجال وأرزاق على "ولي الأمر" (عجل الله فرجه)، ليوقع على صحائف القضاء والقدر بإذن ربه.
إنها الليلة التي يتحد فيها "القرآن الصامت" (الكتاب) مع "القرآن الناطق" (الإمام)، لتشكل هذه العلاقة حلقة الوصل التي تضمن بقاء النظم الكوني واستقامة المسيرة البشرية.
وكما يشير الشيخ زمان الحسناوي في حديث له، فإن الملائكة والروح تنزل على من اصطفاه الله في كل زمان؛ فقد يكون نبيًا، أو إمامًا، أو حجةً لله وإن لم يكن نبيًا ولا إمامًا (بالمعنى الاصطلاحي) كالسيدة مريم العذراء أو السيدة فاطمة الزهراء (عليهما السلام) في زمانهما.
بناءً على هذا النزول، يتحتم على المسلمين توجيه بوصلة "الولاء" نحو هذا الولي؛ فالعلاقة بليلة القدر ليست مجرد عبادة فردية، بل هي ارتباط بمن تنزل عليه أسرار تلك الليلة.
ينقسم الولاء في المنظور الديني إلى جانبين، يجب على المؤمن وعيهما بعمق:
الولاء السلبي: وهو الولاء للكافرين والمنافقين، وهو ما حذر منه القرآن الكريم بشدة في قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم} (المائدة: 51).
الولاء الإيجابي العام: وهو المودة والتناصر بين عامة المؤمنين، كما وصفه تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (التوبة: 71).
الولاء الإيجابي الخاص: وهو جوهر ليلة القدر، ويتمثل في الانقياد لولي الله المعصوم. وقد حدد القرآن هوية هذا الولي في "آية الولاية": {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة: 55).
إن هذه الآية التي نزلت في حق الإمام علي (عليه السلام) تمتد في ذريته وصولاً إلى الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، صاحب هذه الليلة في عصرنا الحالي، هو الذي تنزل عليه الملائكة والروح بكل ما سيكون إلى السنة القادمة.
لذا، فإن شرط القبول في هذه الليلة والانضمام لركب "أهل القدر" هو تحقيق الولاء الخاص تجاه إمام الزمان؛ فبالولاء له تكتمل العبادة، وبه تُرسم معالم الطريق نحو النجاة تحت ظل العناية الإلهية.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري