بين إغراء الأقساط ودوّامة الديون، تعيش أغلب العوائل العراقية صراع التقسيط لتيسير أمور معيشتها ظاهريًا، لكن الباطن يستنزف الجيوب؛ إذ يكون الابتياع بالتقسيط فرصة لتلبية الاحتياجات الضرورية، لكنه سرعان ما يتحول من حلٍّ مؤقت إلى عبءٍ مؤجَّل.
حلٌّ مُرضٍ بشكلٍ نسبي
ينقل لنا سالم خضير الكرعاوي، موظف حكومي، تجربته في هذا الجانب قائلاً: بعد أن احتدت المشاكل الأسرية، اضطررتُ للانتقال إلى بيتٍ منفصل عن عائلتي، فاستأجرتُ بيتًا صغيرًا وبدأتُ بتوفير ما يلزم من الأثاث المنزلي، فكانت أنسب طريقة هي ابتياع أهمها وأغلاها بالتقسيط، إذ ارتأيتُ أنه الحل الأنسب نسبيًا للظروف التي أمرّ بها، إلا أن هذا الحل شكّل عبئًا جديدًا فوق عبء دفع الإيجار وفواتير شبكة الإنترنت ومولّد الكهرباء، فضلًا عن مصاريف إضافية يطول ذكرها.
وأضاف: إن الابتياع بالتقسيط حلٌّ مُرضٍ بشكلٍ نسبي، لكنه عبءٌ يتمثل بزيادة ثمن السلعة، ما يسبب تدهورًا في الوضع المادي لربّ العائلة، وبالأخص لمن يعيش في بيتٍ مستأجر.
وتؤيده في الرأي أم رضا، موظفة، بقولها: إن ابتياع بعض الاحتياجات الضرورية بالتقسيط غالبًا ما يكون حلًا مناسبًا، إلا أنه يشكل مصروفًا آخر يترتب عليه دفع فوائد.
وتابعت: بالنسبة لي أفضّل أن أبتاع ما أحتاجه نقدًا، وإن كانت الحاجة باهظة الثمن ألجأ إلى الاشتراك بجمعية مع زميلاتي في العمل (سلفة)، وبهذا أكون قد وفّرت على نفسي دفع الفوائد؛ فمثلًا بدل أن تكون الحاجة بسعر (400) ألف دينار، تصبح بالتقسيط (500) ألف دينار، أي يتم دفع مبلغ (25) ألف دينار عن كل (100) ألف، وهو قانون سائد في محيط التجار الذين يتعاملون مع الزبائن بالتقسيط، لذلك ألجأ إلى حلول بديلة كما ذكرت آنفًا.
بين المتجر والزبون
فيما قال الحاج أبو علاء، تاجر وصاحب مجمع للمواد المنزلية: أنا أعمل في هذا المجال منذ سنوات، فبعض الزبائن يبتاع نقدًا، والبعض الآخر يبتاع بالتقسيط لعدم توفر المبلغ لديه، إذ يكون بحاجة شديدة للسلعة.
وأضاف: إن عمليات البيع تُنظَّم بحضور كفيل يضمن الحقوق بين الطرفين، مع بعض الشروط البسيطة؛ إذ يُتفق على تاريخ ثابت للدفع شهريًا يكون مطابقًا ليوم الشراء، ويتم الالتزام بالمبلغ المتفق عليه دون تغيير، والعقود ليست قانونية أو صادرة عن جهة رسمية، بل هي صيغ عرفية تُبرم بالاتفاق بين البائع والمشتري داخل المجمع، ويوثقها حضور كفيل.
وأكد أن مسألة التخلف عن التسديد شائعة، لكن يتم التعامل معها بتفهّم، حيث يُمنح الزبون مهلة إضافية قد تصل إلى شهرين، وبعدها يتكفل الكفيل بالسداد، مع مراعاة الحالة المعيشية والاجتماعية أحيانًا، إذ غالبًا ما يمر الزبون بنفقات إضافية كالمرض أو حالات الوفاة.
حلٌّ عملي
وعن اتهام البعض بأن البيع بالتقسيط نوعٌ من الربا، قال الشيخ حيدر الساعدي: لا توجد أي مخالفة شرعية ما دام البيع يتم بالتراضي ومن دون استغلال واضح، كما أن هناك أحكامًا شرعية في هذا الجانب، فإذا خالفها البائع عُدَّ البيع حرامًا، لذلك يجب الالتزام بقواعد البيع بالتقسيط الشرعية، ويُعد هذا الجانب حلًا عمليًا لكثير من الأسر التي لا تستطيع شراء حاجاتها نقدًا.
رؤية قانونية
من جانبها أوضحت القانونية نجلاء طعمة الموسوي: يُعد البيع بالتقسيط واحدًا من الأساليب التجارية المنتشرة في السوق العراقية، ومن العقود المدنية المنظمة ضمن أحكام القانون المدني العراقي، ويخضع لكامل قواعد البيع المعروفة قانونيًا؛ إذ إن أي عملية بيع، مهما كانت بساطتها، تُعد عقدًا ملزمًا للطرفين: البائع والمشتري، ويترتب عليهما حقوق والتزامات متبادلة.
ولا يوجد في العراق حتى الآن تشريع خاص ينظم عمليات البيع بالتقسيط، بل يُكتفى ببعض التعليمات العامة، ويبقى الاحتكام الأساسي لما ينص عليه في بنود العقد الموقع بين الطرفين، بشرط ألا تخالف هذه الشروط النظام العام أو تتضمن غبنًا فاحشًا.
كما أشارت الموسوي إلى أن القانون يُلزم البائع بوصف السلعة المباعة وصفًا كاملًا والاطلاع عليها قبل إبرام العقد، وفي حال وجود غش أو إخفاء معلومة يُعد ذلك تدليسًا، ويحق للمشتري حينها طلب فسخ العقد، وفي حال عجز المشتري عن تسديد الثمن، يحق للبائع المطالبة به قانونيًا مع إضافة الفوائد القانونية، باعتبار أن العقد تم برضا الطرفين على السعر وشروط الدفع.
وترى نجلاء أن نظام التقسيط أداة عالمية رائدة لتحفيز الاقتصاد وتحقيق العدالة الاجتماعية، وأن الدول الأوروبية تطبق هذا النظام بشكل واسع، حيث يستطيع الشاب شراء منزل أو سيارة بالتقسيط منذ بلوغه، بدعم من أنظمة الضمان الاجتماعي، كما لا يُعد عبئًا، بل يُنظر إليه كبديل عن الإيجار، مع تحديد نسب ربح سنوية بسيطة وثابتة دون فوائد مركبة، وهو ما يجعل العملية مرنة وعادلة، أما في العراق، فبرغم انتشار البيع بالأقساط، إلا أن غياب القانون الناظم جعل من هذه العملية عشوائية وأحيانًا استغلالية.
ويؤكد الخبراء ضرورة توثيق العقود رسميًا، خاصة عند شراء السلع ذات القيمة العالية، لتجنب النزاعات المستقبلية، ومن المهم أن يكون هناك وعي لدى المشترين بأن التخلف المتكرر عن الدفع قد يعرضهم لإجراءات قانونية مثل الحجز على السلعة أو المطالبة بالتنفيذ الجبري.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري