حينما نتحدث عن الستر بكل أشكاله وصفاته، لا بدّ أن نعرّج على المساحة الكبيرة والقيمة العميقة التي يحملها ويتضمّنها في معانيه، في كل مكان وزمان، وهو بحدّ ذاته ليس موضع جدل، بل قيمة إنسانية وثقافية تبرز بشكل يليق بمفاهيمه واحترام خصوصيته وجوهره، حتى إنّه يُعدّ لغة راقية للتعبير عن الذات، لا سيما في عالمنا المليء بالصخب والفوضى والتحوّلات غير المناسبة للعالم الإسلامي بحدّ ذاته.
فالمرأة المسلمة، وهي موضع الحديث، حينما تعكس مظهرها الخارجي بجماليات الستر بوصفه وعيًا وثقافة وانسجامًا روحيًا، تتجلّى هذه القيم في الهيئة العامة للشكل، وفي التوازن النفسي، والاحتشام، وسِمة الأخلاق التي تحيا وتسمو برقيّ الستر وحيثيّاته، المصحوبة بالثقة والسكينة ورضا الله أولًا وآخرًا.
وفي هذا الصدد، أجابت الباحثة في الشأن الأسري والاجتماعي راوية القطان/ الكلية التربوية المفتوحة، بالقول: "الحديث عن جماليات الستر وكيف يمكن أن يتجلّى بأكمل صوره، أرى أنه باب من أبواب الرحمة والزهو أقرّه الله سبحانه وتعالى لكل إنسان، سواء كان رجلًا أم امرأة، في الحياة، وهو منهج إلهي من الواجب السير عليه مهما حكمت الظروف، فضلًا عن أنّه يبني شخصية الإنسان وسماته بجمال متكامل من الأخلاق والمكانة الرفيعة وعلوّ المظهر الخارجي؛ الذي يتجسّد للمرأة بالعفّة والحشمة وكمال الروح والمظهر، وكذلك للرجل تتكامل شخصيته وصفاته بكل ما يمتّ للستر بصلة، وهذا جانب مشرّف في الحياة وما بعدها".
وأوضحت القطان أنّ الستر بجوانبه كافة يعكس حالة من التوازن الروحي والاطمئنان، ويمنح صاحبه شعورًا بالاحترام والذوق والتربية الصحيحة؛ فالإنسان حين يختار الستر، يختار أن يُعرَف بذاته من خلال فكره وأخلاقه وحضوره، لا من خلال المظهر وحده، وتلزم كل امرأة أن تكون ذات مستوى راقٍ، ومحمية من عيون الآخرين، وبعيدة عن المشاكل والهفوات التي تتعرّض لها أخريات، وقد مررتُ بقصص وحوادث عديدة هنا في الجامعة أو في الشارع، عن كثيرات سمحن لمظهرهنّ وشخصياتهنّ بالتعرّض لأبشع الكلمات والمواقف، حينما احتلّت الموضة العصرية عالمهنّ وأنتجت هفوات ذلك، وهو تعبير شخصي وعلى المستوى الاجتماعي.
وعلى وصف القطان، يمثّل الستر عنصرًا من عناصر الذوق العام والاحترام المتبادل؛ فهو يخفّف من حدّة المقارنات، ويعيد العلاقات الإنسانية إلى مساحتها الطبيعية القائمة على التواصل الحقيقي لا الاستعراض، وفي المجتمعات التي تحتفي بالتنوّع، يبقى الستر أحد أشكال التعبير الشخصي الذي يستحق التقدير بوصفه خيارًا واعيًا، لا فرضًا ولا مادّة للنقاش الحاد.
أما جماليًا، فقد ألهم الستر الفنون والأزياء والعمارة، حيث ارتبط بالبساطة والأناقة غير المتكلّفة؛ فالجمال لا يكمن في الكشف بقدر ما يكمن في التوازن، ولا في المبالغة بل في التفاصيل الهادئة التي تترك أثرًا طويلًا في الذاكرة، ومن هنا، يتحوّل الستر إلى أسلوب حياة يعكس رقيّ الذوق وعمق الفكر.
قراءة إنسانية
وسط عالم سريع التقلّبات والأحداث، يزداد فيه التركيز على الشكل والصورة، يبرز الستر كقيمة إنسانية وثقافية تمنح الفرد مساحة للسكينة والاتزان بعيدًا عن الجدل الدائر حوله، ويمكن النظر إلى الستر بوصفه خيارًا واعيًا يعكس علاقة الإنسان بذاته وبالمجتمع، وهو ما يؤكده مختصّون من زوايا مختلفة، لا سيما من البعد الاجتماعي.
ويرى أمجد الوائلي، أستاذ علم الاجتماع، ويصف بوضوح: «الستر يمثّل أحد أشكال التنظيم الاجتماعي غير المعلن؛ إذ يسهم في تعزيز الاحترام المتبادل داخل الفضاء العام، ويساعد على تقليل النزعة الاستهلاكية للمظهر، ويعيد التركيز على القيم المشتركة مثل الاحترام والذوق العام»، مشيرًا إلى أنّ المجتمعات التي تحترم خيارات الأفراد، ومنها الستر، تكون أكثر استقرارًا وتوازنًا، وبالتالي تحتفظ بسلوكيات هادئة وإمكانية تواصل متّزن في العمل وفي مختلف أماكن التواجد.
ويضيف أنّ الستر شكّل عبر التاريخ مصدرًا للجمال الهادئ والبساطة الراقية؛ فالجمال لا يُقاس بكمية الكشف وإبراز المفاتن، بل بقدرة المظهر على التعبير عن الهوية والذوق بروحية متقبّلة ومتمسّكة بالقيم، ووفق هذا الرأي، ينسجم الستر مع مفاهيم الأناقة الكلاسيكية التي تعتمد التوازن والانسجام بدل المبالغة، بعيدًا عن التواطؤ مع الموضة وكل ما يبثّه الغرب من مساحات بعيدة عن الإسلام والحشمة، ليتفاعل معها البعض وتكون ملهمة له في ملبس غير لائق.
أخيرًا، فإنّ جماليات الستر لا تُختزل في مظهر أو تعريف واحد، بل تمتد لتشمل الأثر النفسي والاجتماعي والثقافي الذي يتركه في حياة الأفراد، وحين يُقرأ الستر بعيدًا عن الجدل، يصبح لغة هادئة للتعبير عن الذات، وخيارًا يعكس التوازن والوعي والاحترام، وقيمة تُعاش بهدوء لا تُناقش بصخب.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري