غالبًا ما تكون حكايات الكبار جميلة، وفيها نكهة الأصالة في التعامل مع المجتمع والحياة، وتحمل بين طيّاتها الكثير من العِبر والدروس، لذلك أقف عندها دائمًا وأصغي إليها كأنها كنزٌ عثرتُ عليه.

في أحد الأيام، كانت تحكي لنا إحدى الجدّات عن عادات ومراسم الزواج في كربلاء قبل أكثر من ستين عامًا، ففي شهر شعبان كانت تتجمّع أفراح آل البيت (عليهم السلام)، وكان أغلب الشباب يختارون عقد قرانهم في مثل هذه الأيام تبرّكًا.

سابقًا، كانت العرائس يأتين بكامل عفّتهن ومن دون أي زينة، يدخل العروسان ليُعقَد قرانهما على يد السيّد الموجود في الحضرة الشريفة، ثم يتوجّهان للزيارة، وبعد خروجهما من المنطقة المشرفة، وعند عبورهما مسافة لا تُرى منها القبة الشريفة، تبدأ النساء حينها بالتصفيق والزغاريد وإظهار الفرح.

هذا الاحترام، الناتج عن وعي وثقافة متوارثة، أوقفني عند أعتاب إحياء أفراحنا وأفراح أهل البيت (عليهم السلام) على حدّ سواء، وما يرافقها اليوم من مواليد وأناشيد وتصفيق ودبكات وجلسات تصوير، ومبالغة في حمل الورد ونثر الحلوى، كلّ ذلك في نظر من عاشوا قديمًا، يُعدّ عيبًا وخرقًا لاحترام الحزن في هذه المنطقة، وهو كذلك.

فما تتناقله الروايات عن طريقة زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، وكذلك زيارة الملائكة له، يُبيّن أن هيئة الزائر سمتها الأساسية هي الحزن والألم على ما جرى في هذه الأرض، وفي بعض الروايات، أن التحدّث في أمور الدنيا عند هذه المشاهد فيه كراهة.

إن تلك الجلسة البسيطة التي سمعتُ فيها حديث الجدّة أوقفتني كثيرًا، واستحضرتُ معها عبارة أستاذي الذي كان يقول دائمًا: «نحن نتقدّم إلى الوراء»، فمن سبقونا كانوا أكثر التزامًا بفطرتهم وعاداتهم، فبالرغم من إتاحة كلّ المعلومات الدينية اليوم، إلّا أننا نواجه فراغًا داخليًا على مستوى الالتزام الحقيقي بنهج الدين وأخلاقه ومبادئه.

حقًّا، ربح من بقي شيعيًا على دين جدّته، من دون أن تشوبه شائبة الالتزام الظاهري.