تُعَدّ مكتبة العتبة الحسينية المقدسة واحدةً من أعرق الصروح الثقافية والعلمية في العراق، بل هي شاهدٌ على أنَّ كربلاء لم تكن فقط مدينة الشهادة، بل أيضًا مدينة الكتاب والفكر والمعرفة، فمن بين جدران الحرم الحسيني الشريف، تنبثق هذه المكتبة كنبراسٍ ينير دروب الباحثين، ويستنهض الوعي الجمعي للأمة، ويؤكد أن خدمة العلم لا تقلّ قداسة عن خدمة الدين.
لقد ارتبط تاريخ المكتبات بتاريخ الإنسان نفسه، إذ كانت أولى المكتبات التي عرفتها الحضارات القديمة مرافق للمعابد والمدارس، تحفظ فيها ألواح الطين ولفائف البردي، ومع مرور العصور غدت المكتبة رمزاً لحضارة الشعوب، ومؤشّراً على مستوى رقيّها العلمي والثقافي، ومن هنا كان اهتمام العتبة الحسينية المقدسة بإنشاء مكتبتها العامرة، امتداداً طبيعياً لتاريخها في رعاية العلم والعلماء منذ قرون.
تتبع المكتبة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة المقدسة، وقد تأسست لتكون رافداً فكرياً ومعرفياً يخدم طلبة الحوزة والجامعات وسائر الباحثين، وهي اليوم تضم شُعبتين رئيسيتين تكملان بعضهما: المكتبة الورقية التابعة لشعبة المكتبة، والمكتبة الإلكترونية التابعة لشعبة نظم المعلومات، لتشكّلا معًا منظومة معرفية متكاملة تُزاوج بين التراث والحداثة، وتضع المعرفة بين أيدي الجميع، داخل أروقة الحرم وخارجه.
ويبلغ عدد مصادر المكتبة أكثر من (300) ألف مصدر متنوع، تشمل الكتب المطبوعة والمخطوطات النادرة، والرسائل الجامعية، والدوريات والمراجع التخصصية، ما يجعلها من أغنى المكتبات في البلاد، وقد تميّزت عن غيرها بتطبيقها نظام تصنيف مكتبة الكونغرس الأمريكي (LC)، لتكون بذلك أول مكتبة في العراق تعتمد هذا النظام العالمي، ما يُسهّل عملية البحث والوصول إلى المصادر، والرفع من كفاءتها التنظيمية.
تفتح المكتبة أبوابها للرجال والنساء على مدار الأسبوع، في قاعتين منفصلتين أُعدّتا بعناية لتوفير بيئة دراسية هادئة ومريحة، ويبدأ الدوام من السابعة صباحاً حتى التاسعة مساءً، لتتيح للطلبة والباحثين فرصة المطالعة الطويلة، مع تقديم خدمات الاستنساخ والنسخ الورقي، والبحث الإلكتروني في فهرسها عبر الموقع: ih.lib.iq.
ولا تقف رسالة المكتبة عند حدود كربلاء، فقد امتدت فروعها إلى محافظات بابل، الديوانية، وميسان، مع خططٍ لافتتاح فروع جديدة في باقي المحافظات العراقية، إدراكاً لأهمية إيصال المعرفة إلى كل طالب علم، كما تشارك المكتبة بفاعلية في معارض الكتب المحلية والدولية، لتغذّي رصيدها بالمؤلفات الحديثة وتبقى على تماسٍّ مع الإنتاج الفكري المتجدد.
إنّ زيارة مكتبة العتبة الحسينية المقدسة لا تشبه زيارة أي مكان آخر؛ فهي مزيج من روح العبادة وعبق العلم، بين رفوفها تتنفس الكتب عبير التاريخ، وتتحاور العقول مع الكلمات، وتولد الأفكار كما تولد الزهرات من رحم الأرض الطيبة، فيها يشعر القارئ أنّه أمام محرابٍ من نوعٍ آخر، محرابٍ تصعد فيه الأرواح لا بالدعاء فحسب، بل بالمعرفة التي تنير القلوب.
وهكذا تبقى مكتبة العتبة الحسينية المقدسة منارةً مضيئة على دروب الفكر، وجسرًا يصل بين ماضي الأمة المجيد وحاضرها الطامح إلى النهوض، هي ذاكرةٌ حيّة تحفظ تراث العلماء والمفكرين، وتؤكد أن كربلاء لم تكن يوماً ساحةَ دماءٍ فقط، بل ساحةَ فكرٍ ووعيٍ ونور، فكلُّ من يفتح كتابًا في أروقتها إنما يشارك في استمرار رسالة الحسين (عليه السلام): رسالةِ الوعي، والحق، والمعرفة.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري