معلومة صادمة قرأتها قبل أيام عن عدد الأطفال الذين يعانون من قِصر النظر، جعلتني أستذكر - بشيء من الحزن والألم - صديقة الطفولة في المرحلة الابتدائية، بنظارتها السوداء ذات العدسات السميكة، التي كانت مربوطة بإحكام بقطعة من البلاستيك على رأسها الصغير لتبقى ثابتة على عينيها الصغيرتين، ومعاناتها الطويلة منها، تأثرت آنذاك من عدم قدرة صديقتي على رؤية السبورة، ومغادرتها لمكانها الذي كانت تجلس فيه إلى جانبي على الرحلة الخشبية العتيقة، لتجلس في مكان أقرب إلى السبورة خصصته لها معلمة الصف.
معاناة صديقة الطفولة من ضعف الرؤية، والتي كانت الوحيدة في الصف، وربما في المدرسة بأكملها، التي ترتدي النظارة، لا تُقارن بالتنمّر الكبير الذي كانت تتعرض له من أقرانها الصغار، الذين كانوا يطلقون عليها لقب (أم أربع عيون) بأسلوب استفزازي فيه الكثير من التهكم والسخرية.
أمّا اليوم، فإنك تحمد الله إن وجدتَ طفلًا صغيرًا لا يرتدي النظارة التي أصبحت بألوان براقة وأشكال مختلفة، ونظرة واحدة على عدد تلاميذ الصف الواحد ستعطيك فكرة واضحة عن مدى تزايد أعداد هؤلاء الأطفال وتحولها إلى ظاهرة خطيرة، والأسباب معروفة للجميع.
فالإدمان على الأجهزة الإلكترونية دون رادع يُذكر من الأبوين، أو حتى دون تنظيم أو تحديد لوقت مشاهدة برامجهم المفضلة، جعل عيون الأطفال المثبتة بإصرار على شاشاتها تفقد دورها في الإبصار الصحيح وتقلّ قدرتها على الرؤية السليمة.
المعلومة الصادمة تؤكد أن نسبة الأطفال المصابين بقِصر النظر تضاعفت على مدى السنوات الماضية، ومن المتوقع أن يعاني نصف سكان العالم من قِصر النظر بحلول عام (2050).
قد لا يعي الآباء المشاكل الاجتماعية والتعليمية التي تترتب على إهمال صحة عيون أطفالهم، واحتمال تعرضهم لأمراض بصرية خطيرة في مراحل لاحقة من حياتهم، إلى جانب معاناتهم بعيدة المدى من النظارات الطبية وتأثيراتها على ثقة الأطفال بأنفسهم وتقديرهم لذواتهم.
قد لا يفقه الأطفال مدى معاناتهم المقبلة من النظارة، إلا أن صديقتي ما زالت، ورغم مرور أعوام طويلة، تحمل والديها مسؤولية عدم الاهتمام بصحة عينيها وإهمالهما لها منذ البداية.
المرفقات
واحة المرأة
يعنى بثقافة وإعلام المرأة والطفل وفق طرح عصري